واعلم أن ما تنفقه مخلوف عليك بوعد الله:"وما تنفقوا من شيء فهو يخلفه"، وبوعد رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكًا تلفًا".
اللهم إنا نسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربنا إلى حبك، اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأزواجه أمهات المؤمنين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
حكم الحسد
ذم الحسد وما يتولد منه
إذا حسدت فلا تبغ
أسباب الحسد
الاستعاذة من الحسد وما يدفع ضرره
التخلص من الحسد
الحمد لله الذي أعطى ومنع، وبسط وقبض، ووسَّع وقتَّر، لا معطي لما منع، ولا مانع لما أعطى، كل شيء عنده بمقدار، وصلى الله وسلم وبارك على النبي المختار وعلى آله وصحبه الأطهار، وبعد...
فإن الأمراض منها ما هو متعلق بالأبدان والأجسام، ومنها ما هو متعلق بالقلوب، وأمراض القلوب أشد خطرًا وأعظم ضررًا من أمراض الأبدان، وعلاجها عسير والشفاء منها عزيز، وأمراض القلوب إما نتيجة شهوة أوشبهة؛ من هذه الأدواء الخبيثة، والأمراض الفتاكة المقيتة: الحسد، الذي يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
فما حقيقة الحسد؟ وما أنواعه وأسبابه؟ وما كيفية علاجه والتخلص منه؟
الحسد: هو كراهة النعمة عند الغير وتمني زوالها.
أنواع الحسد
الحسد أنواع، منها ما هو ممدوح مرغوب فيه، وأغلب أنواعه مذموم، وبعضها أشد ذمًا من بعض، والأنواع هي:
1.تمني أن يكون مثل صاحب النعمة، وهذا يسمى حسدًا تجاوزًا، وإلا فهي غبطة وتنافس وتمني أن يكون له مثل ما لصاحب النعمة دون تمني زوالها عنه وذهابها منه.
2.تمني زوال النعمة من الغير لتعود إليه هو.
3.تمني زوال النعمة من الغير ولو لم تعد إليه هو.
4.يتمنى إن كان مريضاُ أن يكون الجميع مرضى، وإن كان فقيرًا أن يكون الجميع فقراء، وإن كان جاهلًا أن يكون الجميع أجهل منه، وهكذا؛ وهذا النوع الأخير هو أسوأ الأنواع جميعًا.
حكم الحسد
يختلف حكم الحسد باختلاف أنواعه، فالحسد المحمود وهو الغبطة مرغوب فيه، قال تعالى:"وفي ذلك فليتنافس المتنافسون"، وقال:"سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض".
وحكم هذه الغبطة يختلف باختلاف الشيء المغبوط فيه:
1.فإن كان واجبًا كانت الغبطة واجبة ، كالصلاة، والصيام، والحج، والزكاة.
قال صلى الله عليه وسلم:"لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا، فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها".
وكذلك عندما جاء فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا:"ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال: يحجون، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون؛ فقال: ألا أعلِّمكم شيئًا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله؛ قال: تسبِّحون، وتحمدون، وتكبِّرون، خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين".
وفي رواية لمسلم:"فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما نفعله ففعلوا مثله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء".
ومن ذلك قول عائشة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم:"نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ فقال: لكن أفضل الجهاد الحج المبرور".
ومما يدل على فضل التنافس على أعمال البر ما رواه أبو كبشة الأنباري يرفعه:"مثل هذه الأمة مثل أربعة: رجل آتاه الله مالًا وعلمًا فهو يعمل بعلمه في ماله، ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالًا، فيقول: رب لو أن لي مالًا مثل ما لفلان لكنت أعمل فيه بمثل عمله؛ فهما في الأجر سواء"الحديث.
2.و إن كان المغبوط فيه مستحبًا فحكم الغبطة الاستحباب.
3.وإن كان المغبوط فيه مباحًا فحكمها الإباحة.
ولكن المحذور في ذلك إن لم يتحقق للمتمني ما تمناه يخشى أن يولد فيه ذلك نوعًا من الحسد لصاحب النعمة، ولذلك الأفضل للمرء أن يرضى بما قسم الله له، وألا يتشوف إلى من هو أعلى منه، قال تعالى:"ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض".
ولهذا وصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن ننظر إلى من هو دوننا ولا ننظر إلى من هو فوقنا، فقال:"انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو دونكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم"، وفي رواية البخاري:"إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق، فلينظر إلى من هو أسفل منه".