فهرس الكتاب
صفات الذين يريدون أن يحموا و يقيموا دين الإسلام رضي الله عنهم . و كذلك اليوم يقول المجاهدون للعلماء و الدعاة الذين يحبون الحق و لا يداهنون الباطل فأنتم قد رفعتم راية دين الإسلام و تعلمون أنه دين رسول الله حقا و إن حملكم له بحق يعني مفارقة حكومات العرب و حكومات العجم في الأرض كافة و قَتْلُ خياركم و أن تعضّكم السيوف فإما أنتم تصبرون على ذلك فحافظوا على الراية و أجركم على الله و إما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروا راية المدافعة و المقاتلة و لا تحولوا بين شباب الأمة و الجهاد في سبيل الله فهو أعذر لكم عند الله .
المحروم حقيقة من حُرم عبادة ربه ومولاه، والمأسور المحجوب أبدًا من أسره هواه وحجبته خطاياه.
ابتلاء أتباع الرسل والأنبياء من السنن الكونية، والأوامر القدرية، ومع ذلك ينبغي للعبد أن لا يتمناه وأن يسأله أن يعافيه إياه:"لا تتمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموه فاثبتوا".
الحبس، والضرب، والتضييق، بل والقتل، أحب إلى أولياء الله المتقين وجنده المخلصين من الكفر برب العالمين، ومن اقتراف الفواحش، والانغماس في الموبقات، والاستعباد للشهوات، فقد قالت السحرة بعد إيمانها برب هارون وموسى متعالية على تهديدات الطاغية فرعون:"فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا"، ولذات السبب آثر يوسف عليه السلام السجن على ارتكاب الفاحشة:"رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ".
لم يكن شيخ الإسلام، مفتي الأنام، راهب الليل، فارس النهار، قائد الجيوش، حارس الثغور، محارب التتار والمغول، محيي السنن، قامع البدع، ببدع من أولئك، بل كان لطريقهم سالك، وعلى منهاجهم ثابت، ولهذا كان له من الابتلاء النصيب الأكبر، والحظ الأوفر، تصديقًا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أشد الناس بلاء الأنبيء، ثم الأمثل فالأمثل".
ولهذا قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله:"ما أغبط أحدًا لم يصبه في هذا الأمر أذى"، وقال مالك:"لا خير فيمن لا يؤذى في هذا الأمر".
ولو شاء الله أن يعافي أحدًا من ذلك لعافى رسله وأنبياءه، بل خليله وصفيه محمدًا صلى الله عليه وسلم.
نقول هذا حتى لا يظن جاهل مغرور، أوحاقد حاسد موتور، أن ما أصاب هذا العالم الرباني، والحبر المتفاني، قامع الباطنية، والفلاسفة، والمشعوذة، والمقلدة، والمبدلة للأديان السماوية، عقوبة، بل كان إن شاء الله لرفع الدرجات، وتبوء المراتب العالية، ولتطمئن قلوب المبتلين، وليوطن أنفسهم المنتظرون.
بيان إجمالي لسجنه
سجن شيخ الإسلام رحمه الله سبع مرات لمدد متفاوتة.
بلغت جملتها خمس سنوات، وفي ميزان حسناته إن شاء تزيد عن الخمس مئات.
أسبابها كلها واهيات، فهي نتيجة حسد، ووشاية، وسعايات.
أما نتائجها وثمراتها فجد عجيبات، إذ العبرة بالخواتيم، حيث خلفت العديد من المآثر والمؤلفات التي أضحت حياة لصاحبها بعد الموت.
بيان تفصيلي له
السجنة الأولى
في دمشق عام 693 هـ، كانت مدتها قليلة، وفائدتها كبيرة، وثمرتها جليلة؛ سببها واقعة عساف النصراني، الذي شهد عليه جماعة أنه سب النبي صلى الله عليه وسلم، فعندما بلغ الخبرُ شيخَ الإسلام التقى بالشيخ زين الدين الفارقي شيخ دار الحديث في وقته، فرفعا أمره إلى نائب السلطان بدمشق، عز الدين أيبك الحموي، فأحضر عساف ومعه مجيره أمير آل علي، فضربهما الناس بالحجارة، فضربهما السلطان أمام عساف، ثم دعاهما وأرضاهما.
وادعى النصراني الإسلام، فقتل في طريقه إلى الحجاز، قتله ابن أخيه، ولعل ما أصابه كان انتقامًا من الله للشيخين الكريمين.
وكان من نتيجة هذه الحادثة أن ألف شيخ الإسلام سفره العظيم:"الصارم المسلول على شاتم الرسول"، الذي أصبح مرجعًا يرجع إليه الناس كلما نيل أحد من أنبياء الله ورسله.
السجنة الثانية
كانت في القاهرة، وكانت مدتها سنة ونصف من يوم الجمعة 26/9 رمضان 705هـ إلى يوم الجمعة 23/3 ربيع أول 707هـ؛ كانت بدايتها في سجن"برج"، ثم نقل إلى الجب بقلعة الجبل.
وكان معه في هذه المرة أخواه عبد الله وعبد الرحمن، وتلميذه إبراهيم الغياني، حيث كانوا ملازمين له في سفره إلى القاهرة.
وسببها كما ذكره الحافظ ابن كثير في تاريخه"البداية والنهاية"في حوادث 705هـ، كان مسألة العرش، ومسألة الكلام، ومسألة النزول.
وفيها من المواقف البطولية، والصدق في ذات الله ما يملأ النفس بالإيمان والجد في العمل.
عندما أخرجوا من السجن دعا أخوه عبد الله الملقب بالشرف على من تسبب في حبسه ظلمًا وعدوانًا، فمنعه شيخ الإسلام، وقال له: بل قل: اللهم هب لهم نورًا يهتدون به إلى الحق.
السجنة الثالثة
كانت بمصر أيضًا، ولمدة قليلة، أسبوعين من 3/10/707هـ إلى 18/10/707هـ.