فهرس الكتاب

الصفحة 1149 من 1363

أما السد الثاني فهم العلماء و الدعاة المحبُّون للحق الكارهون للباطل القاعدون عن الجهاد ، تأولوا تأولًا فصدّوا الشباب عن الجهاد و لا حول و لا قوة إلا بالله ، هؤلاء رأوا الباطل ينتشر و يزداد فتداعوا للقيام بواجب نصرة الحق والأمر بالمعروف و النهي عن المنكر واهتدى و تفقًه على أيديهم خلق كثير وحسنًا فعلوا وجزاهم الله خيرًا على ذلك ، إلا أن الباطل يضيق صدره بالحق وأهله فشرع في مضايقتهم و إخافتهم و منعهم من الخُطب و الدروس و فصلِهم من وظائفهم ثمّ سجَن من أصرَّ على مواصلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إن هذه الضغوط الشديدة أدت تدريجيًا إلى انحراف المسار- إلا من رحم الله - وهذا أمر بديهي لأن الإنسان لا يستطيع أن يتخذ القرار الصحيح في ظل أوضاع غير صحيحة وخاصة من الناحية الأمنية ، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم"لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان"هذا إذا كان غضبانًا فكيف إذا كان خائفًا. فالتخويف الذي تمارسه الدول العربية على الشعب قد دمّر جميع مناحي الحياة بما فيها أمور الدين . إذ الدين النصيحة و لا نصيحة بغير أمن . و قد قسّم الخوفُ الناسَ إلى أقسام ، وسنتحدث عن بعضهم: فقِسْمٌ انتكس والتحق بالدولة ووالاها ولا حول ولا قوة إلا بالله . وقِسْمٌ بدا له أنه لن يستطيع أن يستمر في الدعوة و التدريس ويأمن معهده أو جمعيته أو جماعته أو يأمن نفسه و جاهه و ماله مالم يمدح الطاغوت و يداهنه . فتأول تأولًا فاسدًا باطلًا فضلّ ضلالًا مبينًا وأضلّ خلقًا كثيرًا . وقسم آخر حفظهم الله من مجاراة الحكام الخائنين و مداهنتهم وحرصوا على البقاء تحت راية الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و قد كانت لهم جهود مشكورة في الدعوة إلى الله إلا أن الضغوط التي سبق ذكرها كانت كبيرةً جدًا و لم يهيئوا أنفسهم لتحمُّلها، ومن أهمها: تكاليف الهجرة والجهاد ، وقد كانت الفرصة متاحة منذ أكثر من عقدين و لم يستفيدوا منها مما أفقدهم القدرة على اتخاذ القرار الصحيح - إلا من رحم الله - في مثل هذه الأيام العصيبة . ولذا نرى فريقًا منهم مازالوا إلى الآن لم يتخذوا قرار الجهاد والمقاومة . إن نصرة الدين و إقامته لها تكاليف عِظام و صفات واضحة في كتاب الله و في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سيرة الصحابة الكرام رضي الله عنهم . فمن لم يتصف بهذه الصفات لا يستطيع أن يقوم بنصرة الدين . هذه الصفات ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم و من ذلك قوله تعالى"يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم و يحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله و لا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و الله واسع عليم".و في الخبر الذي دار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم و ورقة بن نوفل"قال ورقة: يا ليتني فيها جذعًا أكون حيًَّا حين يُخرجك قومك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مُخْرِجِيّ هم ؟! فقال ورقة: نعم ؛ لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ، و إن يدركني يومك أنصُرك نصرًا مؤزرًا".فحالُ من يريد أن يتحمل الدين بحقّ هو العداء من أهل الباطل لا التعايش كما نرى - ولا حول ولا قوة إلا بالله - مع أهل الباطل . وحالُ من أراد إقامة الدين هو السعي في نصرته بالنفس و النفيس كما قال ورقة:"إن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا".وكذلك كان الحال يوم بيعة العقبة . فنُصرة الدين ليست دروسًا تُعطى فقط ؛ والدين لا يقوم على فتات أوقاتنا وأموالنا . وإنما سلعة الله غالية ، فشتان شتان بين الجلوس و تقديم الدروس و بين تقديم النفوس و الرؤوس لنصرة الدين . لذا فإن العباس بن عبد المطلب - وقد كان على دين قومه - أراد أن يطمئن على ابن أخيه محمد صلى الله عليه وسلم عند الأنصار ، فقال: - وكان مما قال -"فإن كنتم أهل قوة و جلَد و بصيرة بالحرب واستقلال بعداوة العرب قاطبة فإنها سترميكم عن قوس واحدة". فأقول هذه الصفات كانت مطلوبة لأهل الإيمان لحِفْظِ رسول الله صلى الله عليه و سلم و هي مطلوبة اليوم أيضًا لحِفظ دين رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم بعد أن أنهى العباس كلامه قال البراء بن معرور من الأنصار:"قد سمعنا ما قلت و إنا والله لو كان في أنفسنا غير ما ننطق به لقلناه و لكنا نريد الوفاء و الصدق و بذل مُهج أنفسنا دون رسول الله". فأقول هكذا الدين إنما يقوم بالوفاء و الصدق و ببذل المهج من أجل المنهج . ثم لمّا قاموا للمبايعة قال أسعد بن زرارة:"رويدًا يا أهل يثرب إنا لم نضْرِب إليه أكباد المطي إلا و نحن نعلم أنه رسول الله وإن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة و قَتْلُ خياركم و أن تعضّكم السيوف فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه و أجركم على الله و إما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر لكم عند الله.فقالوا يا أسعد أَمِطْ عنا يدك فوالله لا نذر هذه البيعة و لا نستقيلها".هكذا كانت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت