يا أرحم من كل رحيم! يا من لا تعاقب المسيء فورا، بل تمهل وتتغاضى عمن يتجاوز حدّه، وتترك له فرصة لتنقية قلبه من الذنوب والآثام المعنوية! احفظنا يا رب من التلوث بالآثام وبالذنوب، واغفر لنا عندما نتلوث ببعضها، ولا تحرمنا من مغفرتك ومن رحمتك ولا تبعدنا عنها. كنا عدما فأوجدتنا، ونحن مستمرون في الحياة بفضلك وبلطفك وبجودك وإحسانك، محاطون على الدوام بجودك وبإحسانك وكرمك. أنت يا رب من يمنح النور لعقولنا، ولذةَ الإيمان لقلوبنا. كان العقل في تشوش وتخبط حتى وصل إليك، وكانت النفس تعدو وراء البغي. وعندما جعلتَ العقل مرشدا وهاديا لجمت به أهواء النفس وفتحت أمامها أفق الاطمئنان. لقد وَجدنا أنفسنا بفضلك، وتخلصنا من الضياع هنا وهناك في الدروب بلطفك.
ما وصلت قلوبنا إلى الاطمئنان إلا بمعرفتك. وما تخلصت أفكارنا من الهذيان القاتل وانسلّت منه إلا بالاستسلام لك. أتينا إلى بابك وطرقناه بذلة وخضوع، ندعوك أن تديم هذه الذلة لك إلى أبد الآبدين. اسمك على الدوام على شفاهنا عند دعائك، وننتظر بِرَهْبة وخشية جوابك. لم يسمعنا حتى اليوم سواك، ولم يربّت بشفقة على رؤوسنا أو ينظر أحد سواك إلى وجوهنا. كل ما وجدناه كان من عندك وحدك. وبفضل الإيمان بك تخلصنا من مشاعر الغربة والحيرة والذهول، ومن آلام الوحدة والوحشة، لذا نتوجه إليك مرة أخرى بكل كياننا نطلب منك العفو والعافية.
نعوذ بك من قساوة القلب، ومن الاستناد إلى غيرك، ومن الغفلة ومن الإهانة والهوان، ومن المسكنة والجهل، ومن علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، وعين لا تدمع، ونفس لا تشبع، ومن دعاء لا يستجاب له، ومن زوال النعم، وتغير الألطاف، ومن عذاب عاجل وغضب ماحق.
ندعوك أن تهب لنا لسانا ضارعا، وقلبا خاشعا. اقبل منا يا رب توبتنا، ونقنا من خطايانا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، واستجب لدعائنا، وافتح آفاق قلوبنا، وألزم ألسنتنا كلمة الصدق، وطهر قلوبنا من الدنس يا رب! وهب لنا يا رب ثباتا في أعمالنا، وعزما وقرارا في طريق القرآن، وحساسية تجاه نعمك. لا تُرجِعْ يا رب من يدق بابك خائبا، وتفضل بنعمك وألطافك على عبادك الطائعين، واهد من عصاك وضل عن سبيلك. وزين دعاء المضطرين بالاستجابة لهم، وساعد أصحاب الكرب، وعالج أصحاب القلوب المريضة وهب لهم الشفاء، وأظهر نورك للذين يتخبطون في ظلمة الكفر والإلحاد كي لا تبقى فيهم أي نقطة أو ركن مظلم.
قال ابن عبد البر رحمه الله: روى ابن وهب عن ابن لهيعة عن بكر بن الأشج عن القاسم بن محمد أن رجلًا قال له: عجبتُ من عائشة حين كانت تصلي أربعًا في السفر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين! فقال القاسم بن محمد:"عليك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن من الناس من لا يُعاب".
إي وربي إن من الناس من لا يعاب، ليس لأنه معصوم ومبرء من الخطأ والزلل، ولكن لعلو مكانته ورفيع درجته، ولعظم حقه على الأمة.
قائل ذلك هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، كان من أفضل أهل زمانه كما قال مالك الإمام رحمه الله.
يستفاد من هذه الكلمة الطيبة، والنصيحة الغالية، والمقولة النافعة، ما يأتي:
1.لا يحل لأحد تقليد أحد في كل ما يقول، واتباعه في كل ما يفعل، مهما كانت مكانته وعلمه، سوى الرسول صلى الله عليه وسلم، أي كلٌّ يؤخذ من قوله ويُترك إلا الرسول صلى الله عليه وسلم.
2.لا يجوز تقليد العلماء في زلاتهم وهفواتهم مهما كانت منزلتهم.
3.إذا صدرت من عالم زلة أوقول شاذ لا ينقص ذلك من مكانته ولا يحط من قدره، إن كان منهجه موافقًا لمنهج أهل السنة والجماعة.
4.من الناس من لا يعاب بسبب صدور هفوة منه أوخطأ، سيما أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم والعلماء المقتدى بهم.
5.بل علينا أن نبحث لهم عن عذر لهذه الزلات.
6.علينا أن لا نشيع عنهم هذه الزلات، بل يجب أن نستر ذلك.
7.السنة في السفر قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين، واختلف أهل العلم في حكم القصر في السفر على قولين: منهم من قال واجب وهو الراجح، ومنهم من قال سنة، وبذلك اعْتُذِر عن إتمام عثمان وعائشة رضي الله عنهما.
نهدي هذه النصيحة الغالية إلى أولئك الذين أصبح شغلهم الشاغل وعملهم الدائب النيل والانتقاص من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن تأثر بهم، سيما أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعائشة، وحفصة، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وغيرهم من الأخيار، ونقول لهم:"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، واشتغاله بما هو فيه، وترك الخلق لخالقهم.
وليكن لهم أسوة في الأخيار أمثال ابن عمر، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد، وغيرهم كثير، فالسعيد من تأسى بالأخيار، والشقي التعيس من اقتدى بالسفهاء الأشرار
الخطبة الأولى
أما بعد: