كان السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم يخافون الشرك والرياء والنفاق، فقد سأل عمر رضي الله عنه حذيفة أمين سر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين: ناشدتك بالله هل سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم؟ قال: لا؛ أوكما قالا، وقال ابن أبي مليكة رحمه الله: أدركتُ ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلًا يخشى على نفسه من النفاق.
فما الذي أخاف السلف وأزعجهم وطمأننا نحن سوى العطالة، والبطالة، والعجز، والغفلة، وطول الأمل، وحب الدنيا؟!
قال أبو ثعلبة الخشني رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: والله إني لأعمل العمل لله فإذا اطلع عليه سرني؛ فقال:"إن الله لا يقبل من العمل ما شورك فيه".
رابعًا: التعدي على الآخرين وظلمهم
من المحبطات المفسدات للأعمال الصالحات يوم القيامة ظلم الآخرين والتعدي عليهم، فكل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه.
فإذا سلم عمل المرء من الشرك، ومخالفة هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن السمعة والرياء، فقد يبطله ويفسده ويذهب به تعديه على الآخرين وظلمه لهم، فمن كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلل منه اليوم قبل غدٍ، قبل أن يكون الحساب والقصاص بالحسنات والسيئات.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من كانت عنده مظلمة لأخيه، من عرضه أومن شيء، فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه".
وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع؛ قال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فُنِيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار".
وقد صح عنه كذلك كما روى ابن عمر رضي الله عنهما:"لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يُصب دمًا حرامًا".
فهذا هو الإفلاس الذي ليس بعده إفلاس، وهذا هو الخسران الذي ليس بعده رجحان، فقد يكون الإنسان غنيًا في الدنيا مفلسًا في الآخرة، وقد يكون ذليلًا ضعيفًا في الدنيا عزيزًا مكرمًا في الآخرة، لاختلاف الموازين بين الدارين، فمن بَطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه كما أخبر الصادق المصدوق، وأصحاب المظالم هؤلاء يوم القيامة لا فرق فيهم بين قريب وبعيد، ولا صديق وعدو، فالكل يريد حقه، فالوالد يريد حقه من ولده وكذلك المولود، والزوج يريد أن ينال جميع حقه من زوجته وكذلك الزوجة:"يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يومًا لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئًا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور"،"يوم يفرُّ المرءُ من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه"،"ولا يسألُ حميمٌ حميمًا يُبصَّرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه ومن في الأرض جميعًا ثم ينجيه".
ولله در القحطاني حين قال في نونيته واصفًا بعض أهوال القيامة:
يوم القيامة لو علمتَ بهوله لفررتَ من أهلٍ و من أوطانِ
يوم تشققت السماء لهوله وتشيبُ فيه مفارقُ الولدانِ
يوم عبوسٌ قمطريرٌ شره في الخلق منتشر عظيم الشأن
والله أسأل أن يحفظ علينا ديننا وأعمالنا، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا ممن آثر الآخرة على الأولى:"ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورًا"، وصلى الله وسلم وبارك على إمام الهدى ورسول الملحمة، وعلى آله، وصحبه, والتابعين لهم إلى يوم اللقاء.
عبدالملك القاسم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن تربية النفس وتزكيتها أمر مهم غفل عنه أمة من الناس، ومع انتشار الخير وكثرة من يسلك طريق الاستقامة ويعمل في حقل الدعوة إلا أن البعض يروم الصواب ولا يجده، وينشد الجادة ويتيه عنها، تقطعت به السبل وانبرى له الشيطان فاتخذه مطية له ومركبًا سهلًا يسير به في لجج الرياء والسمعة والعجب و المباهاة، ظلمات بعضها فوق بعض.
ولقتل حظوظ النفس هذه، لابد من التمسك بالإخلاص الذي هو حقيقة الدين ومفتاح دعوة الرسل عليهم السلام، قال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:6] .
وقال الله عز وجل: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك:2] .
قال الفضيل بن عياض: ( هو أخلصه وأصوبه ) .