فاحذر أخي الكريم الشرك في القول، والعمل، والاعتقاد، واعلم أنه لن ينفع مع الكفر والشرك طاعة؛ قال المفسر ابن عطية رحمه الله في تفسير قوله تعالى:"إنما يتقبل الله من المتقين": (المراد بالتقوى هنا اتقاء الشرك بإجماع أهل السنة، فمن اتقاه فهو موحد، فأعماله التي تصدق فيها نيته مقبولة، وأما المتقي الشرك والمعاصي فله الدرجة العليا من لقبول والختم بالرحمة، علم ذلك بإخبار الله تعالى لا أن ذلك يجب على الله تعالى عقلًا) .
ثانيًا: مخالفة هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في العبادات
العبادات توقيفية، لا يصح الزيادة عليها ولا النقصان منها، ولها شرطا صحة هما:
1.الصدق.
2.وموافقة السنة.
ولهذا قال الفضيل بن عياض رحمه الله في تفسير قوله تعالى:"ليبلوكم أيكم أحسن عملًا": أصدقه وأصوبه؛ قيل له: ما أصدقه وأصوبه؟ قال: أن يكون العمل صادقًا لله وموافقًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ"، وفي رواية:"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"، أي أن المحدث المبتدع عمله مردود عليه، لا يقبل منه صرفًا ولا عدلًا، أي لا فرضًا ولا نفلًا؛ ولهذا قال مالك: ما لم يكن في ذاك اليوم دينًا فلن يكون اليوم دينًا، ومن ابتدع بدعة فقد زعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة؛ وعندما قال رجل لمالك: أريد أن أحرم بالحج من المسجد النبوي، قال له: لا تفعل، بل أحرم من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلا عليه قوله تعالى:"وليحذر الذي يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم"؛ وقد فسر الإمام أحمد الفتنة في الآية بالشرك، وذلك لمن رد ودفع سنة الرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقال في حجة الوداع:"لتأخذوا عني مناسككم، لعلي لا ألقاكم بعد عامكم هذا"، وعندما أساء الرجل في صلاته وصلى صلاة مخالفة لصلاته صلى الله عليه وسلم، أمره بالإعادة ثلاث مرات، ولم يسأله عن نيته، لأن صلاته باطلة بمخالفتها لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ثم لا تنفعها بعد ذلك نية صادقة.
فالحذر الحذر من الابتداع في الدين، ومن مخالفة الصراط المستقيم، والسبيل القويم الذي تركنا عليه رسولنا صلى الله عليه وسلم، واعلم أنه ليست هناك بدعة حسنة، بل كل بدعة ضلالة بحكم الصادق المصدوق، وإن تفاوتت في ضلالها.
وخير أمور الدين ما كان سنة وشر الأمور المحدثات البدائع
فمن نجا من الأعمال من الشرك حبط بمخالفة هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فالخير كل الخير في الاتباع، والشر كل الشر في الابتداع في دين الله ما لم ينزل به سلطانًا.
اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد.
ثالثًا: الرياء والسمعة
الرياء هو الشرك الأصغر كما بيبنه الرسول صلى الله عليه وسلم، والرياء محبط للعمل المصاحب له لأن الله أغنى الشركاء، كما صح ذلك في الحديث القدسي:"قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه".
ومما يدل على خطورة الرياء أن أول من تُسَعَّر بهم النار يوم القيامة جماعة من المرائين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به فعرَّفه نعمته، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت؛ قال: كذبتَ، ولكنك قاتلت لأن يقال جريء! فقد قيل؛ ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به، فعرَّفه نعمته فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلمتُ القرآن وعلمته، وقرأت فيك القرآن؛ قال: كذبتَ، ولكنك تعلمت ليقال عالم! وقرأتَ القرآن ليقال هو قارئ! فقد قيل؛ ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار؛ ورجل وسَّع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال، فأتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقتُ فيها لك؛ قال: كذبتَ، ولكنك فعلتَ ليقال هو جَوَاد! فقد قيل؛ ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار".
يا ترى هل هناك أفضل من تعلم القرآن، والعلم، والجهاد بالنفس، والتصدق بالغالي والنفيس؟ لا أعتقد، ولكن كل هذه الأعمال الجليلة والعبادات النبيلة بطلت وخسر أصحابها بسبب الرياء والسمعة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال:"من سمَّع سمَّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به".