لقد خلقنا الله لعبادته، وحذرنا مغبة شركه ومعصيته، فقال:"وما خلقتُ الجن والإنس إلا ليعبدون"، وقال:"وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا"، وقال:"وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة"، وبيَّن رسوله صلى الله عليه وسلم حق الله على العباد، وهو أن يعبدوه ولا يشركوه معه غيره، وحقهم عليه إن هم فعلوا ذلك بأن يدخلهم الجنة، فمن وحَّد الله فقد عبده، ومن أشرك معه غيره فقد كفره، فالمؤمنون الصادقون هم الذين يوحدون الله في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء، والكافرون المعاندون هم الذين يوحدون الله في الشدة والبلاء، دون النعمة والرخاء:"وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين"،"وإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون"، وعندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحصين الخزاعي والد عمران بن الحصين رضي الله عنهما: عند الشدة من تدعو؟ وكان له سبعة آلهة، ستة في الأرض وإله في السماء وهو الله عز وجل، فقال: أدعو الذي في السماء؛ أو كما قال، لكن بعض المنتسبين إلى الإسلام اليوم عند الشدة والرخاء يدعون غير الله، كما صوَّر ذلك أبوالسمح رحمه الله، وكان إمامًا للحرمين الشريفين:
ولقد أتى في الذكر أن دعاءهم في الكرب كان لربنا الرحمن
وإذا دنا فرجٌ وشاموا برقه عادوا إلى الكفران و الطغيان
لكن قومي في الرخاء وضده يدعون غير الله بالإحسان
يدعون أمواتًا غدو تحت الثرى ما إن لهم في الورى من شان
واللهُ كاشفُ كلِّ كربٍ قادرٌ وسواه ذو عجز فقيرٌ فان
ومن فضل الله على العباد أنه لم يحصر العبادة في الصلاة، والصوم، والحج، ونحوها، وإن كانت هي أجلها، بل كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال، والأعمال، والاعتقادات عبادة، ومع ذلك فإن حظ ونصيب كثير من الخلق من هذه العبادة قليل جدًا، بل أقل من القليل وأدنى من النذر اليسير، وليت هذا القليل اليسير سالم من المبطلات، ومعافى من المفسدات، ومستوفي لشروط العبادات، ومدخر لصاحبه بعد الممات، ولكن هيهات هيهات، فليس كل عمل يتقبل، ولا كل دعاء يُسمع:"إنما يتقبل الله من المتقين"، أما المشركون فأعمالهم حابطة، وحسناتهم ضائعة، وتجارتهم كاسدة خاسرة:"وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورًا"،"لئن أشركتَ ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين".
وبعد..
فهذه إشارات وتنبيهات عن أخطر مبطلات الأعمال، ومفسداتها، ومذهبات أجورها وثوابها، دونتها نصيحة لنفسي ولمن يطلع عليها من إخواني المسلمين، إذ لا أعلم أحدًا أشد حاجة إليها من كاتبها ومسطرها، ولكن رجائي فيمن سبقت رحمتُه غضبَه، وعفوه أكبر من سخطه، فهو أهل التقوى وأهل المغفرة.
أخطر مبطلات الأعمال
مبطلات الأعمال كثيرة جدًا، ولكن سأشير في هذه العجالة إلى أعمها، وأجلها، وأخطرها، وأشأمها، فأقول:
أولًا: الشرك
تعريفه
هو الذنب الذي لا يغفره الله ولا يتجاوز عنه بعد الممات، وهو أن يتخذ المرء مع الله ندًا أوشريكًا يصرف إليه شيئًا من العبادة، نحو الدعاء، والاستغاثة، والذبح، والنذر، وما شاكلها، فمن دعا أواستغاث بغير الله، أواتخذ واسطة بينه وبين الله فقد أشرك، ومن ذبح أونذر لغير الله، أوخاف أورجا غير الله، أواعتقد النفع والضر من غير الله فقد كفر، ومن تحاكم لغير شرع الله فقد أشرك.
أخطر صور الشرك على الإطلاق الدعاء والاستغاثة، لأن الدعاء هو العبادة كما صح بذلك الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما يُطلق الشرك يراد به الشرك الأكبر.
مخاطره
للشرك ثلاثة مخاطر كبرى، وثلاث دواهٍ عظمى، هي:
1.أنه محبط لجميع الأعمال، لقوله تعالى:"لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين"، وقال:"وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورًا".
2.أنه يخلد صاحبه في النار بحكم الله عز وجل:"إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"، وبحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث القدسي:"يا ابن آدم، لو أتيتني بقُرَاب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة".
قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: (من جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة ـ إلى أن قال: فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله تعالى فيه، وقام بشروطه بقلبه وبلسانه وبجوارحه، أوبقلبه ولسانه عند الموت، أوجب ذلك مغفرة ما قد سلف من الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار بالكلية) .
وقد صح عنه قوله:"من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل لاجنة"، وقال ابن مسعود رضي الله عنه:"من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار"، أي بمفهوم المخالفة.
3.يحرم صاحبه من شفاعة سيد الأبرار صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، قال تعالى:"فما تنفعهم شفاعة الشافعين"، إذ الشفاعة يوم القيامة ملك لله عز وجل، فلا يشفع أحد في أحد:"يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن ورضي له قولًا".