فهرس الكتاب

الصفحة 1059 من 1363

اعلم أخي الكريم أن الخشوع في الصلاة هو سرها ومقصودها، وأن الاطمئنان في الركوع والسجود هو فرض في الصلاة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لمن لم يطمئن في صلاته حيث كان ينقرها كما ينقر الديك الحب، وكما يفعل ذلك كثير من المصلين اليوم:"صلِّ، فإنك لم تصلِّ"ثلاث مرات، وقد جاء في الأثر:"كم من مصلٍّ سبعين ـ وفي رواية ثمانين ـ سنة، ليس له من صلاته شيء، ربما أكمل ركوعها ولم يكمل سجودها، أوأكمل سجودها ولم يكمل ركوعها".

واللهَ أسألُ أن يرزقنا الصبر على الطاعة، وأن يحبِّب إلينا الإيمان ويزينه في قلوبنا، ويكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، ويجعلنا وجميع إخواننا المسلمين من الراشدين، ونسألك اللهم حبَّك، وحبَّ من يحبك، وحبَّ عمل يقرِّبنا إلى حبك، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ما ورد في فضل كتم السر وعدم إفشائه

ما يتعين كتمانه من الأسرار ويحرم إفشاؤه

من الأخلاق الحميدة والصفات الفاضلة كتم السر وعدم إفشائه، ولا يقدر على ذلك إلا ذوو الشهامة والمروءة، ولهذا قيل: أدنى صفات الشريف كتم السر، وأعلاها نسيان ما أسرَّ به إليه، وقيل صدور الأحرار قبور الأسرار.

أما أولئك المفشون للأسرار الناشرون لما استودعوا من الأخبار فليس لهم مثل إلا المنخل أوالغربال، فالحذر كل الحذر أن تفشي سرك وتبوح بما يهمك، خاصة لمن لو عهد إليه بأمر يخفيه أوسر يكتمه لضاق به صدره وبالغ في إفشائه ونشره، ولهذا جاء في الأثر:"استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود".

ما ورد في فضل كتم السر وعدم إفشائه

روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من أسرَّ إلى أخيه سرًا فلا يحل له أن يفشيه عليه"، كما قال ابن عبد البر.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"من كتم سره كان الخيار بيده، ومن عرَّض نفسه للتهمة فلا يلومنّ من أساء الظن به".

وقال:"ما أفشيتُ سري إلى أحد قط فأفشاه فلمته، إذ كان صدري به أضيق".

وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله:"القلوب أوعية، والشفاه أقفالها، والألسنة مفاتيحها، فليحفظ كل إنسان مفتاح سره".

وقال العباس بن عبد المطلب لابنه عبد الله رضي الله عنهما:"يا بُنيّ إن أمير المؤمنين يدنيك ـ يعني عمر ـ فاحفظ عني ثلاثًا: لا تفشينّ له سرًا، ولا تغتابنّ عنده أحدًا، ولا يطلعنّ منك على كذبة".

وقال أكثم بن صيفي:"إن سرك من دمك، فانظر أين تريقه".

وقيل: احفظوا أسراركم كما تحفظون أبصاركم.

وقيل: أكثر ما يتم به التدبير الكتمان.

وقيل: لا تطلعوا النساء على سرِّكم، يصلح لكم أمركم.

وأسرَّ رجلٌ إلى رجلٍ سرًا، فلما فرغ قال له: حفظتَ؟ قال: بل نسيتُ.

ما يتعين كتمانه من الأسرار ويحرم إفشاؤه

كتمان السر واجب وإفشاؤه حرام، ويزداد الأمر حرمة والإفشاء خطورة إذا ترتبت عليه أضرار ونتجت منه أشرار، سواء كانت على صاحب السر أو غيره، ولهذا يتعين ويتحتم كتم السر وعدم إفشائه، خاصة في الآتي:

1.المجاهرة بالمعاصي لمن ستره ربُّه

أعظم الأسرار التي يجب كتمانها ويحرم إفشاؤها الإخبار بما يقترفه المرء من معاصي وآثام وقد ستره الكريم المنان، والتحدث والتبجح بذلك، ومن ألف المعصية وتعوَّدها هان عليه أمرها، فالمجاهرة بالمعاصي تشمل فعلها أمام الآخرين أو إخبارهم بها.

صح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"كلُّ أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان، عملتُ البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربُّه وأصبح يكشف ستر ربه"، فهؤلاء من أخبث الناس نفسًا، وأجرئهم على محاربة الله ومبارزته بالمعاصي.

وأخبث من هؤلاء نفسًا، وأعظم جرمًا، وأكثر جهلًا، من يطلبون ممن يتوبون على أيديهم عند الدخول في طرائقهم أن يعترفوا أمامهم بكل ما اجترحوا من آثام، وارتكبوا من طوام، فهؤلاء أشدُّ وعيدًا من أولئك المعترفين المغرَّر بهم.

2.المجاهرة بما يدور بين الزوجين من الرفث والقول والفعل

من أعظم الأسرار التي يجب كتمانُها ويحرم نشرها والإباحة بها ما يدور بين الزوج وزوجه عند المضاجعة، وقد عدَّ رسول الله صلى هذا الصنف من الأزواج من شر الناس منزلة، وأحقرهم مكانة، وأرذلهم نفسًا، فقال:"إن من شرِّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجلُ يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر أحدُهما سرَّ صاحبه"، وفي رواية:"إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجلُ يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرَّها".

واجتمع يومًا عنده الرجالُ والنساءُ، فقال صلى الله عليه وسلم:"لعل رجلًا يقول ما فعل بأهله، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها"، فسكتَ القومُ، فقالت امرأة: إي والله يا رسول الله إنهم ليفعلون، وإنهن ليفعلن؛ قال:"فلا تفعلوا، فإنما مثل ذلك مثلُ شيطان لقي شيطانة فغشيها والناس ينظرون".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت