وتثريب الرسول صلى الله عليه وسلم على معاذ رضي الله عنه لأنه كان يصلي معه العشاء ثم يذهب ليؤم قومه بعد ذلك، وقد أمهم يومًا بالبقرة في الركعة الأولى من العشاء، وبالقمر في الثانية، وعندما خرج أعرابي من صلاته نال منه معاذ بأنه منافق! ومن أجل ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال.
أين هذا كله مما عليه الأئمة الآن؟! فتبيَّن أن احتجاج البعض بهذا الحديث ليس في موضع النزاع، فمن فعل كما فعل معاذ يكون فتانًا حقًا، ولكن مَنْ مِن الأئمة الآن يستطيع أن يفعل ذلك ولو كان فذًا؟!
أعجب من هؤلاء جميعًا من يحيي ليله بالرقص، والتواجد، والضرب بالأقدام على الأرض، فإذا حان وقت صلاة الصبح تفرَّق جلهم، ومن بقي صُلِّيَ بهم بقصار المفصل من غير اطمئنان ولا خشوع.
لقد صاغ العلامة ابن القيم رحمه الله حال هذه الطائفة ـ الصوفية ـ التي أسِّست على الكسل كما قال الشافعي، شعرًا، حيث ذكر جدهم واجتهادهم عند السماع، والرقص، والتواجد، الذي هو دين عباد العجل، عندما اتخذ لهم السامري عجلًا جسدًا له خوار، فقاموا حواليه يرقصون ويتواجدون حتى يقع أحدُهم مغشيًا عليه، فالرقص، والتواجد، والسماع الصوفي ليس من الذكر الذي شرعه الله لعباده على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فقد كان هو وأصحابه يذكرون الله وكأنما على رؤوسهم الطير من الوقار والسكينة، مقارنًا له بصدودهم عن سماع آي القرآن والعلم، وعن الخشوع والاطمئنان في الصلاة التي هي من أجلِّ العبادات وأفضل القربات، قائلًا:
تُلي الكتابُ فأطرقوا، لا خيفةً لكنه إطراق ساهٍ لاهي
وأتى الغناءُ فكالحمير تناهقوا و الله ما رقصوا لأجل الله
دفٌّ، ومزمارٌ، و نغمة شادنٍ فمتى رأيتَ عبادةً بملاهي ؟
ثَقُل الكتابُ عليهمُ لما رأوا تقييده بأوامر و نواهي
سمعوا له رعدًا وبرقًا إذ حوَى زجرًا و تخويفًا بفعل مناهي
ورأوه أعظمَ قاطعٍ للنفس عن شهواتها ، يا ذبحها المتناهي
وأتى السماعُ موافقًا أغراضها فلأجل ذاك غدا عظيمَ الجاه
أين المساعدُ للهوى من قاطع أسبابَه عند الجَهول الساهي؟
إن لم يكن خمرَ الجسوم فإنه خمرُ العقول مماثلٌ ومضاهي
فانظر إلى النشوان عند شرابه وانظر إلى النسوان عند ملاهي
و انظر إلى تمزيق ذا أثوابه من بعد تمزيق الفؤاد اللاهي
واحكم فأيُّ الخمرتين أحقُّ بالتحريم والتأثيم عند الله ؟
وقال كذلك:
ذهب الرجالُ و حال دون مجالهم زُمَرٌ من الأوباش والأنذال
زعموا بأنهم على آثارهم ساروا و لكن سيرة البطَّال
لبسوا الدَّلوق مرقَّعًا و تقشفوا كتقشف الأقطاب و الأبدال
قطعوا طريق السالكين و غوَّروا سبل الهدى بجهالة وضلال
عَمَروا ظواهرهم بأثواب التقى وحَشَوا بواطنهم من الأدغال
إن قلت: قال الله قال رسوله هَمَزوك همزَ المنكِر المتغالي
أو قلتَ: قد قال الصحابة والأولى تبعوهم في القول والأعمال
أو قلتَ: قال الآلُ آل المصطفى صلى عليه الله أفضلُ آل
أو قلتَ: قال الشافعي و أحمدُ و أبو حنيفة والإمام العالي
أو قلتَ: قال صحابهم من بعدهم فالكلُّ عندهم كشِبه خَيال
ويقول: قلبي قال لي عن سرِّه عن سرِّ سرِّي عن صفا أحوالي
عن حضرتي عن فكرتي عن خلوتي عن شاهدي عن واردي عن حالي
عن صَفْو وَقْتي عن حقيقة مشهدي عن سرِّ ذاتي، عن صفات فعالي
دَعْوَى إذا حققتها ألفيتها ألقابَ زُور لفِّقت بمحال
تركوا الحقائق والشرائع واقتدوا بظواهر الجهَّال والضلال
جعلوا المِرا فتحًا وألفاظ الخنا شطحًا وصالوا صولة الإدلال
نبذوا كتاب الله خلف ظهورهم نبْذَ المسافر فضلة الأكَّال
جعلوا السماع مطية لهواهُمُ وغَلَوا فقالوا فيه كل محال
هو طاعة، هو قربة، هو سنة صدقوا، لذاك الشيخ ذي الإضلال
شيخ قديم، صادهم بتحيُّل حتى أجابوا دعوة المحتال
هجروا له القرآن والأخبار و الآثار إذ شهدت لهم بضلال
و رأوا سماع الشعر أنفع للفتى من أوجهٍ سبعٍ لهم بتوال
تالله ما ظفر العدو بمثلها من مثلهم، واخيبةَ الآمال
نصب الحبال لهم فلم يقعوا بها فأتى بذا الشَّرَك المحيط الغالي
فإذا بهم وسط العرين ممزقي الأثـ ـواب والأديان والأحوال
لا يسمعون سوى الذي يَهْوونه شغلًا به عن سائر الأشغال
و دعوا إلى ذات اليمين فأعرضوا عنها ، وسار القوم ذاتَ شمال
خرُّوا على القرآن عند سماعه صمًا و عُمْيانًا ذوي إهمال
و إذا تلا القاري عليهم سورة فأطالها عدَّوه في الأثقال
ويقول قائلهم: أطلتَ ، و ليس ذا عَشْر ، فخفِّف ، أنت ذو إملال
هذا، وكم لغوٍ ، وكم صَخَبٍ، وكم ضَحِكٍ بلا أدب ، ولا إجمال
حتى إذا قأم السماع لديهمُ خشعت له الأصوات بالإجلال
وامتدت الأعناقُ، تسمع وَحْي ذاك الشيخ من مترنَّمٍ قوَّال
وتحركت تلك الرؤوس، وهزَّها طربٌ و أشواق لنيل وصال
فهنالك الأشواق والأشجان والأحـ ـوال ، لا أهلًا بذي الأحوال