فهرس الكتاب

الصفحة 1355 من 1363

وقال القرطبي في موضع آخر من تفسير قوله تعالى:"وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به"الآية: (واختلف أهل العلم فيمن ظلمه رجل في أخذ مال ثم ائتمن الظالم المظلوم على مال، هل يجوز له خيانته في القدر الذي ظلمه؟ فقالت فرقة: له ذلك، منهم ابن سيرين، وإبراهيم النخعي، وسفيان، ومجاهد، واحتجت بهذه الآية وعموم لفظها، وقال مالك وفرقة معه: لا يجوز له ذلك، واحتجوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك"رواه الدارقطني) .

ب. إن لم يظفر بعين ماله

كذلك قولان لأهل العلم.

الذي يظهر والله أعلم أن من ظفر بعين ماله فأخذه أوظفر بغيره فأخذ قدرًا مساويًا له من غير أن يعلم به صاحب المال وقد أمن المفسدة فله ذلك إن شاء، نصحًا لأخيه المسلم، هذا وإن تحرَّج عن ذلك وتركه كان خيرًا له.

أما إذا علم أن أخذه لعين ماله أوما يساويه يؤدي إلى ضرر أكبر ومفسدة أعظم فلا يجوز له الدخول في ذلك عملًا بقوله صلى الله عليه وسلم:"لا ضرر ولا ضرار"، وبالقاعدة الفقهية الجامعة"درء المفاسد مقدم على جلب المنافع"، والله أعلم.

قال القرطبي رحمه الله:(واختلفوا إذا ظفر له بمال من غير جنس ماله، فقيل: لا يأخذ إلا بحكم الحاكم، وللشافعي قولان أصحهما الأخذ، قياسًا على ما لو ظفر له من جنس ماله، والقول الثاني لا يأخذ لأنه خلاف الجنس، ومنهم من قال يتحرى قيمة ماله عليه ويأخذ مقدار ذلك، وهذا هو الصحيح لما بيناه من الدليل، والله أعلم.

وإذا فرعنا على الأخذ فهل يعتبر ما عليه من الديون وغير ذلك، فقال الشافعي: لا، بل يأخذ ماله عليه؛ وقال مالك: يعتبر ما يحصل له مع الغرماء في الفَلَس، وهو القياس، والله أعلم).

ثالثًا: الحقوق غير المالية

كالانتقاص في عرض، أودين، أوبدن، أوأهل، نحو الغيبة، والنميمة، والبهتان، فإما أن يستسمحه منها إجمالًا إن خشي من التفصيل مفسدة كبرى، وإن تعذر ذلك فعليه أن يكثر له من الدعاء والاستغفار، ويصدق في توبته، ويكثر من هذا الدعاء:"اللهم إن لك عليَّ حقوقًا كثيرة، اللهم ما كان لك فاغفره لي، وما كان لخلقك فتحمله عني"، والله أعلم.

يروى أن غلامًا من أهل مكة كان ملازمًا للمسجد، فافتقده ابن عمر، فمشى إلى بيته، فقالت أمه: هو على طعام له يبيعه؛ فلقيه فقال له: يا بني! مالك وللطعام؟ فهلا إبلًا، فهلًا بقرًا، فهلا غنمًا! إن صاحب الطعام يحب المحل، وصاحب الماشية يحب الغيث.

كان السلف الصالح رضوان الله عليهم يكرهون الاتجار في أقوات الناس مخافة الوقوع في المحذور وهو الاحتكار، من باب سد الذريعة، ولأن التاجر في أي سلعة من السلع يحب غلاء سعر ما يبيع، وغالب الذين يتاجرون في الأقوات كالذرة، والقمح، والأرز، ونحوها يحبون المحل ولا يرغبون في نزول المطر حتى تغلوا أسعار الغُلة، ولا يهمهم الضيق على خلق الله، إلا من رحم الله وقليل ما هم، على العكس والنقيض مما كان عليه التجار في الماضي.

كان أحد السلف"بواسط"، فجهز سفينة حنطة إلى البصرة، وكتب إلى وكيله: بع الطعام يوم تدخل السفينة البصرة، ولا تؤخرها إلى غدٍ؛ فوافق سعة في السعر، فقال التجار للوكيل: إن أخرته جمعة ـ أسبوعًا ـ ربحتَ فيه أضعافه؛ فأخَّره جمعة فربح فيه أمثاله، فكتب إلى صاحبه بذلك، فكتب إليه صاحب الطعام: يا هذا! إنا كنا قنعنا بربح يسير مع سلامة ديننا، وقد جنيت علينا جناية، فإذا أتاك كتابي هذا فخذ المال وتصدق به على فقراء البصرة، وليتني أنجو من الاحتكار كفافًا لا عليَّ ولا لي.

وحكى لي بعض التجار أن أباه حذره من الاتجار في سلعتين، هما الذرة لأنه قوت الناس، و"السجاير"لأنه من الخبائث.

وأعرف رجلًا كان لأبيه كمية من الذرة، وكان هذا في بداية فصل الخريف، وكان يلمح عن تأخير نزول الأمطار وعن شحها في هذا الفصل، فعلم مراد أبيه وحبه للمحل ليغلو سعر ما يخزنه من ذرة، فقال لأبيه: لا تقل هذا يا أبي، بل طمئن الناس وبشرهم، ولا تخوفهم وتنذرهم بالقحط والجفاف؛ فغضب عيله أبوه وزجره لنصحه إياه.

فالاحتكار في كل السلع ممنوع، ومن أهل العلم من منعه في أقوات الناس دون غيرها وهو الراجح، فمن كان عنده شيء من الطعام واحتاجه الناس وجب عليه إخراجه وبيعه بسعر المثل، إذ لا ضرر ولا ضرار، وهذا واجب رجال الحسبة.

فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من احتكر فهو مخطئ"، وفي رواية:"لا يحتكر إلا خاطئ".

قيل لسعيد بن المسيِّب وهو راوي هذا الحديث عن معمر: فإنك تحتكر؟ـ كان يحتكر الزيت ـ فقال: إن معمرًا الذي كان يحدث هذا الحديث كان يحتكر.

قال الإمام الخطابي رحمه الله: (قوله:"ومعمر كان يحتكر"، يدل على أن المحظور فيه نوع دون نوع، ولا يجوز على سعيد بن المسيِّب في علمه وفضله أن يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا ثم يخالفه كفاحًا، وهو على الصحابي ـ معمر ـ أقل جوازًا وأبعد مكانًا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت