بل لقد أثنى عليّ رضي الله عنه على الزبير وطلحة بعد مقتلهما في موقعة الجمل، وترحم عليهما، وقد خرجا لقتاله، وقال: بشِّر قاتل ابن صفية - أي الزبير - بالنار؛ وأكرم عائشة أيما إكرام، وردها إلى المدينة معززة مكرمة مع عدد من نساء الكوفة، وأمر ولديه الحسن والحسين أن يشيعاها ويقدماها.
عاشرًا: الضيق والخوف من النقد
النصيحة قوام هذا الدين، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الدين النصيحة"، ثلاثًا، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال:"لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم".
ولهذا كان الأخيار من حكام المسلمين يحبون أن ينصحوا، فقال أبو بكر رضي الله عنه مخاطبًا الأمة:"لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها"، وكان عمر رضي الله عنه يدعو لمن دله على عيوبه قائلًا:"رحم الله امرءًا أهدى إليّ عيوبي".
بينما نجد كل حكامنا يستنكفون عن قبول النصيحة، سيما إن جاءت من أهل العلم.
لا شك أن الأصل في النصيحة أن تكون سرًا، للحاكم والمحكوم، ولكن إن لم تجدِ المناصحة السرية فلا مانع من الجهر بها، خاصة فيما يتعلق بالمخالفات الشرعية المجمع عليها.
ومن عجيب أمر حكامنا أنهم يغضون الطرف عما يكتبه أعداء الدين من الكفار من شيوعيين، ومنافقين، وموتورين، من الكفر البواح، ومن النقد اللاذع المجحف لتصرفات بعض المسؤولين، بينما يراقبون ويسجلون جل ما يقوله العلماء والدعاة مهما كان موضوعيًا.
مبررين لسكوتهم عن الكفر البواح بحجة الانفتاح، وأن الحريات مكفولة للجميع، والله يقول:"أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ. مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ".
أضعف الإيمان أن يسمح لأهل العلم أن يبينوا الحق، وأن يردوا على تلك الكفريات والشبه، حتى لا يضل الناس، وقد أخذ الله الميثاق عليهم بذلك:"وَإِذَ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ".
لماذا يباح الكلام للكفار، والمنافقين، والمفسدين، ويحرم منه العلماء، والدعاة، والصالحون:
حرام على بلابل الدوح حلال على الطير من كل جنس؟!
لماذا يستأسد المسؤولون على إخوانهم المسلمين، ويخافون ويجبنون أويسكتون عن أعداء الدين، حتى ينطبق عليهم قول القائل:
أسد عليَّ وفي الحروب نعامة فتخاء تنفر من صفير الصافر
هلا برزتَ إلى غزالة في الوغا بل كان قلبك في جناحي طائر
اللهم ألف بين قلوب المسلمين، واهدهم سبل السلام، وجنبهم الفتن والآثام، وردهم إليك ردًا جميلًا.
اللهم أمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وحكم فينا خيارنا، واصرف عنا شرارانا.
والحمد لله على كل حال، ونعوذ بالله من حال أهل النار، وصلى الله وسلم على نبي الملحمة، وصحبه، وتابعيهم الأخيار الأطهار
"كل عبادي يدخلون الجنة إلا من أبى"، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟
قال:"من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى"الحديث
فضائل الله على هذه الأمة كثيرة، وآلاؤه عظيمة، من ذلك أن عوضها عن قصر أعمارها بالنسبة لمن سبقها من الأمم بكثرة مواسم الخير، وبمضاعفة الأجور والحسنات، وبرفع الحرج عنها، والآصار والأغلال التي كانت على من قبلها.
من ذلك تضعيف الحسنات، وغفران الزلات، وتبديل السيئات حسنات.
فمن جاء بحسنة واحدة فله أحد ثلاثة أمور:
• ... إما عشر أمثالها.
• ... وإما سبعمائة ضعف.
• ... وإما إلى ما شاء الله.
لا فرق بين الإنفاق في سبيل الله وغيره، بل هناك أعمال يوفى أصحابها بغير حساب، كالصوم.
ومن هَمَّ بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، ومن هَمَّ بسيئة فعملها كتبت له سيئة، وإن تركها من أجل الله كتبت له حسنة.
ومن اقترف سيئة فله أحد ثلاثة أمور كذلك:
• ... إما أن تكتب له سيئة.
• ... وإما أن يغفرها الله له.
• ... وإما أن تستبدل له حسنة.
قال تعالى:"مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ".
وقال:"مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ".
وقال:"مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ".
وقال:"إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ".
وفي الخبر المرفوع:"الحسنة بعشر أمثالها أوأزيد، والسيئة واحدة وأغفر، فويل لمن غلبت آحادُه أعشارَه".
آية البقرة السابقة تبين أن التضعيف إلى سبعمائة ضعف وإلى ما شاء الله خاص بنفقة الجهاد في سبيل الله، والخبر يوضح أن الزيادة على العشرة يشمل جميع أعمال الخير، وليس هذا على الله بعزيز.