فهرس الكتاب

الصفحة 1135 من 1363

اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة امرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.

[1] صحيح ، أخرجه أحمد (4/188 ، 190) ، والترمذي (3375) وقال: حسن غريب ، وابن ماجة

كان عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق من أفضل أهل زمانه، وكان أبوه أفضل أهل زمانه كذلك، وقد خلف أباه في مجلسه كما شهد له بذلك مالك والبخاري رحمهما الله، قال له المنصور العباسي يومًا: عظني بما رأيت؛ قال:

مات عمر بن عبد العزيز وخلف أحد عشر ابنًا، فبلغت تركته سبعة عشر دينارًا، كفن منها بخمسة دنانير، واشترى له موضع القبر بدينارين، وأصاب كل واحد من أولاده تسعة عشر درهمًا، ومات هشام بن عبد الملك وخلف أحد عشر ابنًا، فورث كل واحد منهم ألف ألف درهم، ثم إني رأيت رجلًا من أولاد عمر بن عبد العزيز حمل في يوم واحد على مائة فرس في سبيل الله تعالى، ورأيت رجلًا من أولاد هشام يسأل أن يتصدق عليه.

قلت: هذا أمر معلوم ومجرّب، سيما وأن عمر بن عبد العزيز رحمه الله وكلهم إلى ربه ومولاه، فكفاهم وأغناهم، فقد روي عنه وقد عزله ابن عمه مسلمة بن عبد الملك في أنه لم يترك لورثته شيئًا:"أولادي إما صالح فالله يتولى الصالحين، وإما غير صالح فلا أريد أن أبوء بوزره"، أوكما قال، وهشام وكلهم إلى دنياهم فأفقرهم مولاهم

روى الحاكم في المستدرك قبيل كتاب الجمعة في ترجمة ضمام بن إسماعيل أنه روى عن أبي قنبل أن معاوية رضي الله عنه صعد المنبر يوم الجمعة فقال في خطبته: أيها الناس إن المال مالنا، والفيء فيئنا، من شئنا أعطينا، ومن شئنا منعنا؛ فلم يجبه أحد، فلما كان في الجمعة الثانية قال كذلك فلم يجبه أحد، فلما كانت الجمعة الثالثة قال كذلك: فقام إليه رجل فقال: كلا يا معاوية، ألا إن المال مالنا، والفىء فيئنا، من حال بيننا وبينه حاكمناه إلى الله تعالى بأسيافنا؛ فنزل معاوية وأرسل إلى الرجل فأدخل عليه، فقال القوم: هلك الرجل؛ ثم فتح معاوية الأبواب، فدخل عليه الناس، فوجدوا الرجل معه على السرير! فقال معاوية: أيها الناس، إن هذا الرجل أحياني أحياه الله، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ستكون أمة بعدي يقولون فلا يرد عليهم يتقاحمون في النار كما تتقاحم القردة"، وإني تكلمت أول جمعة فلم يرد علي أحد شيئًا، فخشيت أن أكون منهم، ثم تكلمت في الجمعة الثانية فلم يرد علي أحد، فقلت في نفسي: أنت من القوم، فتكلمت في الجمعة الثالثة فقام إلي هذا الرجل، فرد عليّ فأحياني أحياه الله، فرجوت أن يخرجني الله منهم؛ ثم أعطاه وأجازه.

روى عمر بن حبيب قال: حضرت مجلس الرشيد فجرت مسألة المصراة، فتنازع الخصوم فيها وعلت أصواتهم، فاحتج بعضهم بالحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فرد بعضهم الحديث، قال: أبو هريرة متهم فيما يرويه (!!) ونحا نحوه الرشيد ونصر قوله، فقلت: أما الحديث فصحيح، وأبو هريرة رضي الله عنه صحيح النقل فيما يوريه عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فنظر إليّ الرشيد نظر مغضب، فقمت من المجلس إلى منزلي، فلم يستقر بي الجلوس حتى قيل صاحب الشرطة بالباب، فدخل إليّ فقال: أجب أمير المؤمنين، إجابة مقتول، وتحنط وتكفن؛ فقلت: اللهم إنك تعلم أني قد دافعت عن صاحب نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وأجللت نبيك أن يطعن على أصحابه، فسلمني منه؛ قال: فأدخلت على الرشيد، فإذا هو جالس على كرسي من ذهب، حاسر عن ذراعيه، وبيده السيف، وبين يديه النطع، فلما رآني قال: يا ابن حبيب ما تلقاني أحد بالرد ودفع قولي مثل ما تلقيتني به! فقلت: يا أمير المؤمنين إن الذي حاولت عليه فيه إزراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى ما جاء به؛ فقال: كيف ويحك؟ قلت: لأنه إذا كان أصحابه كذابين فالشريعة باطلة، والفرائض والأحكام من الصلاة والصيام والحج والنكاح والطلاق والحدود كلها مردودة غير مقبولة، لأنهم رواتها، ولا تعرف إلا بواسطتهم؛ فرجع الرشيد إلى نفسه، وقال: الآن أحييتني يا ابن حبيب أحياك الله؛ ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت