فهرس الكتاب
وقوله تعالى (( حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) )دليل على أن إلزام الكفار الذلة والصغار من أهداف الجهاد الإسلامي ، وكذلك إعزاز المسلمين ورفع المهانة عنهم فقد كان من أسباب طرد الرسول صلى الله عليه وسلم ليهود بني قينقاع أن منهم رجلًا كشف عورة امرأة مسلمة ليضحك الناس عليها فقتله رجل من المسلمين كان حاضرًا ، فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم قتل اليهودي الذي رام إذلال المسلمة ، بل كاد أن يقتل بقية يهود بني قينقاع حتى شفع فيهم رأس النفاق بالمدينة لعنه الله وأخزاه ، فترك الرسول صلى الله عليه وسلم قتلهم لمقاصد شرعية وأجلاهم عن المدينة .
النوع الثالث: فتنة الكفار أنفسهم وصدهم عن استماع الحق وقبوله ، وذلك أن الأنظمة والحكومات الشركية تقيم حاجزًا بين الناس واستماع الحق أو قبوله بتخريبها لفطر الناس بما تشرعه لهم من مناهج في شتى مجالات الحياة ، فإذا فسدت فطر الناس بما تشرعه لهم من مناهج في شتى مجالات الحياة .. فإذا فسدت فطر الناس وعقولهم قل أن يستجيبوا للهدى ، وإذا تربى جيل على الذلة والمهانة والعبودية للخلق من دون الخالق وتربى على الإدمان على الخمر والتمرغ في وحل الجنس والتحلل من الأخلاق الفاضلة ، قل أن يرتفع إلى مستوى النفس البشرية السوية التي تعرف المعروف من المنكر ، وتحب الخير وتبغض الشر ، إلا أن يتداركه الله برحمة منه ، لذا كان من أهداف الجهاد إزالة الفتنة عن الكفار أنفسهم بالإضافة إلى إزالتها عن المسلمين من باب أولى ، فإذا زالت الفتنة عن الكفار المحكومين من قبل الطغاة المتألهين الذين يشرعون ما يفسد الفطرة البشرية لكي يضمنوا عبوديتها لهم ، رجي إسلامهم واستجابتهم لداعي الهدى ، لا سيما إذا عاشوا في المجتمع الإسلامي الذي يخضع لتشريعات الله العليم الخبير ، خالق النفس البشرية والعالم بما يصلحها ، وهذا طرف من الحكمة الإلهية في تشريع الجزية على أهل الكتاب والمجوس لإعطائهم فرصة تصلح فيها فطرهم بتطبيقها لتشريعات الإسلام العامة ومخالطة المسلمين ، ومعرفة ما في الدين الإسلامي من تكريم للنفس البشرية وانتشالها من القبائح إلى الفضائل ومن عبادة الخلق والشيطان والهوى إلى عبادة الحي القيوم .
3ـ حماية الدولة الإسلامية من شر الكفار ، ومن الأدلة على هذا الهدف العظيم ما رواه الأمام أحمد عن ابن عبدالله بن أنيس عن أبيه رضي الله عنه قال:
(( دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه قد بلغني أن خالد ابن سفيان بن نبيح يجمع لي الناس ليغزوني ، وهو بعرنة ، فأته فاقتله ، قلت يا رسول الله اعته لي حتى أعرفه ، قال: إذا رايته وجدت له أقشعريرة ، قال فخرجت متوشحًا بسيفي حتى وقعت عليه وهو بعرنة مع ظعن يرتاد لهن منزلًا ، وحين كان وقت العصر فلما رأيته وجدت ما وصف لي رسول الله عليه وسلم من الاقشعريرة ، فأقبلت نحوه وخشيت أن يكون بيني وبينه محاولة تشغلني عن الصلاة ، فصليت وأنا أمشي نحوه أومئ برأسي الركوع والسجود فلما انتهيت له ، قال: من الرجل ؟ ، قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل فجاءك لهذا ، قال: أجل أنا في ذلك .. فمشيت معه شيئًا حتى إذا أمكنني حملت عليه السيف حتى قتلته ، ثم خرجت وتركت ظعائنه مكبات عليه ، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآني فقال: أفلح الوجه ، قال: قلت قتلته يا رسول الله ، قال: صدقت ، قال: ثم قام معي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل في بيته فأعطاني عصا ، فقال أمسك هذه عندك يا عبدالله بن أنيس ، قال فخرجت بها على الناس فقالوا ما هذه العصا ، قال: قلت أعطانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرني أن أمسكها ، قالوا: أولا ترجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتسأله عن ذلك . قال: فرجعت فقلت يا رسول الله لم أعطيتني هذه العصا ، قال آية بيني وبينك يوم القيامة ، إن أقل الناس المتخصرون يومئذ يوم القيامة ، فقرنها عبدالله بسيفه فلم تزل معه حتى إذا مات أمر بها فصبت معه في كفنه ثم دفنا جميعًا ) )رواه أحمد .
ومن ذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل كعب بن الأشرف اليهودي ، وسلام ابن أبي الحقيق اليهودي ، فإنهما كانا مصدر خطر على الدولة الإسلامية ، فأرسل لهما الرسول الله صلى الله عليه وسلم من يقتلهما.
ومن ذلك حض الرسول صلى الله عليه وسلم على الرباط وحراسة المسلمين والرباط هو المرابطة في الثغور على حدود الدولة الإسلامية وفي مقابلة الأعداء والأحاديث في فضل الرباط كثيرة جدًا منها ما رواه أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من مات مرابطًا وقي فتنة القبر ، وأمن من الفزع الأكبر ، وغدي عليه وريح برزقه من الجنة ، وكتب له أجر المرابطة إلى يوم القيامة ) ).