فوقهم غواش" (الأعراف: 41) فبئس اللحاف وبئس الفراش، وإن استغاثوا من شدة العطش"يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه" (الكهف: 29) فإذا شربوه قطع أمعائهم في أجوافهم، وصهر ما في بطونهم، شرابهم الحميم، وطعامهم الزقوم"لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها. كذلك نجزي كل كفور" (فاطر: 36) وهم يصطرخون فيها:"ربنا أخرجنا نعمل صالحًا غير الذي كنا نعمل. أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير" (فاطر: 37) عليك قبل أن تعصي الله عز وجل أن تتفكر في الجنة، وما أعد الله لأهلها فيها، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وما وصفه الله لعباده على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، من النعيم المفصل الكفيل بأعلى أنواع اللذة، من المطاعم، والمشارب، والملابس والصور، والبهجة، والسرور. تفكر في الجنة وتربتها المسك، وحصباؤها الدر، وبناؤها لبن الذهب وقصب اللؤلؤ، وشرابها أحلى من العسل، وأطيب رائحة من المسك، وأبرد من الكافور، وألذ من الزنجبيل. ونساؤها لو برز وجه إحداهن في هذه الدنيا لغلب على ضوء الشمس، ولباسهم الحرير من السندس والإستبرق، وخدمهم ولدان كاللؤلؤ المنثور، وفاكهتهم دائمة، لا مقطوعة ولا ممنوعة، وفرش مرفوعة، وغذاؤهم لحم طير مما يشتهون، وشرابهم خمرة لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون، وخضرتهم فاكهة مما يتخيرون، وفيها حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون، فهم على الأرائك متكئون، وفي تلك الرياض يحبرون، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وهم فيها خالدون. عليك قبل أن تعصي الله عز وجل أن تتذكر من تعصيه تتذكر الله سيدك ومولاك. عليك أن تتذكر جلال الله عز وجل وجماله وكماله، وعزه وسلطانه وقيوميته، وعلوه فوق عرشه.. عليك أن تتذكر الله عز وجل.. قيومًا .. قاهرًا فوق عباده، مستويًا على عرشه، منفردًا بتدبير مملكته، أمرًا ناهيًا، مرسلًا رسلهن ومنزلًا كتبه، يرضى ويغضب، ويثيب ويعاقب، ويعطي ويمنع، ويعز ويذل، ويحب ويبغض، ويرحم إذا استرحم، ويغفر إذا استغفر، ويجيب إذا دعي، ويقيل إذا استقيل… عليك أن تتذكر أن الله عز وجل أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء، وأعز من كل شيء، وأقدر من كل شيء، واعلم من كل شيء، وأحكم من كل شيء، يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات، فلا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، سواء عنده من أسر القول ومن جهر به، فالسر عنده علانية، والغيب عنده شهادة، يرى دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ويرى نياط عروقها، وجاري القوت في أعضائها (ابن القيم في مدارج السالكين بتصرف) واعلم أخي الحبيب أنمما يعينك على ذلك ترك رفقاء السوء الذين قال الله فيهم:"ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون* تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون* ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون* قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قومًا ضالين*ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فيها فإنا ظالمون. قال اخسئوا فيها ولا تكلمون إنه كان فريقًا من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين" (المؤمنون: 103 - 109) فهل انضممتم إليهم؟ هل سرتم في طريقهم؟"فاتخذتموهم سخريًا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون" (الأعراف: 179) اشتغلتم بالاستهزاء بهم، والضحك عليهم، وكان الأولى أن تكونوا معهم، وتذكروا الله ربكم. ثم الجزاء يوم القيامة ماذا يكون؟"إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون" (المؤمنون:110) حياتهم سخرية، وعيشهم استهزاء، ودنياهم لهو ولعب. ومنازلهم أرصفة الشوارع، ومجالسهم الفسق والفجور، وكلامهم الغيبة والنميمة، والفحش وتمزيق الأعراض، وشرابهم الدخان والمفترات والمخدرات، تعلو شفاههم الضحكات العالية، وتعلو أبصارهم الغشاوة، وفي آذانهم وقر عن سماع الهدى. بصائرهم مطموسة، وقلوبهم منكوسة، أعينهم متحجرة، وأفئدتهم معمية، تجد في مجالسهم كل شيء إلا القرآن، وتلقى على ألسنتهم كل شيء، إلا ذكر الله، يسمعون صوت الحق يصدح في بيوت الله، فيقدمون عليه اللهو واللعب. حياتهم كحياة البهائم، بل البهائم خير منهم. (لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون) (سورة المؤمنون: 110) حياتهم طعام وشراب ولعب ونوم (يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم"(سورة محمد: 12) لا يعرفون طعم الإيمان ولا لذة الصلاة. هربوا من الملك وهم عبيده، وبين يديه، وفي قبضته. الله أكبر!! والله إنه لعجب.. كيف يهربون منه، وهو الرحمن الرحيم؟! كيف يهربون منه، وهو الجواد البر الكريم؟! ما الذي فعله بهم حتى عصوه، ولم يطيعوا أمره ألم يخلقهم؟! ألم يرزقهم؟! ألم يعافهم في أموالهم وأجسامهم؟! كيف يهربون منه، وهو الجبار المهيمن؟! كيف يهربون منه، وهو القوي العزيز؟! كيف يهربون