فهرس الكتاب

الصفحة 1116 من 1363

المعاني والفوائد: 1-قال بعض الأئمة: إنما كانت هجرة فاطمة لأبي بكر انقباضًا عن لقائه والاجتماع به وليس ذلك من الهجران المحرم لأن شرطه أن يلتقيا فيعرض هذا وهذا، وكأن فاطمة عليها السلام لما خرجت غضبى من عند أبي بكر تمادت باشتغالها بحزنها ثم بمرضها، وأما سبب غضبها مع احتجاج أبي بكر بالحديث المذكور فلاعتقادها تأويل الحديث على خلاف ما تمسك به أبو بكر، وكأنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله:"لا نورث"ورأت أن منافع ما خلفه من أرض وعقار لا يمتنع أن تورث عنه وتمسك أبو بكر بالعموم، واختلفا في أمر محتمل للتأويل فلما صمم على ذلك انقطعت عن الاجتماع به لذلك فإن ثبت حديث الشعبي أزال الإشكال وهو:"أن أبا بكر عاد فاطمة فقال لها علي: هذا أبو بكر يستأذن عليك قالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم، فأذنت له، فدخل عليها فترضاها حتى رضيت"وهو إن كان مرسلًا فإسناده إلى الشعبي صحيح، وأخلق بالأمر أن يكون كذلك لما علم من وفور عقلها ودينها رضي الله عنها، وقد وقع في حديث أبي سلمة عن أبي هريرة (عند الترمذي) :"جاءت فاطمة إلى أبي بكر فقالت: من يرثك؟ قال: أهلي وولدي، قالت: فما لي لا أرث أبي؟ قال أبو بكر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا نورث، ولكني أعول من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوله. ويؤيد ما تقدم ما ورد في صحيح البخاري في كتاب"فرض الخمس"كانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة فهي لم تطلب جميع ما خلف، وإنما طلبت شيئًا مخصوصًا. وكان أبو بكر يقدم نفقة نساء النبي صلى الله عليه وسلم وغيرها مما كان يصرفه فيصرفه من خيبر وفدك وما فضل من ذلك أنفقه في مصالح المسلمين وعمل عمر بعده بذلك فلما كان عثمان تصرف في فدك بحسب ما رآه، فروى أبو داود أن عمر بن عبد العزيز جمع بني مروان فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفق من فدك على بني هاشم ويزوج أيمهم، وإن فاطمة سألته أن يجعلها لها فأبى، وكانت كذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، ثم أقطعها مروان يعني في أيام عثمان. قال الخطابي:"إنما أقطع عثمان فدك لمروان لأنه تأول أن الذي يختص بالنبي صلى الله عليه وسلم يكون للخليفة بعده. فاستغنى عثمان عنها بأمواله فوصل بها بعض قرابته". ولقد أخرج النسائي قوله صلى الله عليه وسلم:"إنا معاشر الأنبياء لا نورث"قال ابن بطال وغيره: ووجه ذلك والله أعلم أن الله بعثهم مبلغين رسالته وأمرهم ألا يأخذوا على ذلك أجرًا كما قال:"قل لا أسألكم عليه أجرًا"وقال نوح وهود وغيرهما نحو ذلك، فكانت الحكمة في ألا يورثوا لئلا يظن أنهم جمعوا المال لوارثهم. قال: وقوله تعالى:"وورث سليمان داود"حمله أهل العلم بالتأويل على العلم والحكمة وكذا قول زكريا:"فهب لي من لدنك وليًا يرثني"وأما عموم قوله تعالى:"يوصيكم الله في أولادكم"فأجيب عنها بأنها عامة فيمن ترك شيئًا كان يملكه، وإذا ثبت أنه وقفه قبل موته فلم يخلف ما يورث عنه فلم يورث. وعلى تقدير أنه خلف شيئًا مما كان يمكنه فدخوله في الخطاب قابل للتخصيص لما عرف من كثرة خصائصه، وقد اشتهر عنه أنه لا يورث فظهر تخصيصه بذلك دون الناس، وقيل الحكمة في كونه لا يورث حسم المادة في تمني الوارث موت المورث من أجل المال، وقيل لكون النبي صلى الله عليه وسلم كالأب لأمته فيكون ميراثه للجميع. قولها (فلما توفيت دفنها زوجها عليّ ليلًا ولم يؤذن بها أبا بكر) كان ذلك بوصية من فاطمة رضي الله عنها لإرادة الزيادة في التستر، ولعل علي رضي الله عنه لم يعلم أبا بكر بموتها لأنه ظن أن ذلك لا يخفى عنه، وليس في الخبر ما يدل على أن أبا بكر لم يعلم بموتها ولا صلى عليها. قولها (وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة) أي كان الناس يحترمونه إكرامًا لفاطمة، فلما ماتت واستمر على عدم الحضور عند أبي بكر قصر الناس عن ذلك الاحترام لإرادة دخوله فيما دخل فيه الناس. ولذلك قالت عائشة في نهاية الحديث: (لما جاء وبايع كان الناس قريبًا إليه حين راجع الأمر بالمعروف) وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلف عن أبي بكر مدة حياة فاطمة لشغله بها وتمريضها وتسليتها عما فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم ولأنها لما غضبت من رد أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث رأى علي أن يوافقها في الانقطاع عنه. قولها: (فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ولم يكن يبايع تلك الأشهر) أي في حياة فاطمة. قال المازري: العذر لعلي في تخلفه ما اعتذر هو به أنه يكفي في بيعة الإمام أن يقع من أهل الحل والعقد ولا يجب الاستيعاب، ولا يلزم كل أحد أن يحضر عنده ويضع يده في يده، بل يكفي التزام طاعته والانقياد له بأن لا يخالف ولا يشق العصا علي، وهذا كان حال علي لم يقع منه إلا التأخر عن الحضور عند أبي بكر. قولها: (كراهية لمحضر عمر) السبب في ذلك ما ألفوه من قوة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت