فهرس الكتاب

الصفحة 1158 من 1363

حين فضل عمر رضي الله عنه الناس في العطاء بعضهم على بعض، وقد كانوا على عهد الصديق رضي الله عنه سواسية فيه، سألوه عن ميزان التفضيل، فقال:"المرء وغناؤه في الإسلام، المرء وسابقته في الإسلام، والمرء وحظه من الله".

ونحتاج لهذا الميزان، فهو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أمرنا أن نعض بالنواجذ على سنة خلفائه الراشدين. في بعض الأقطار جماعة منظمة نشأت نشأة طبيعية من دعوة رجل أو جماعة موحدة من أول أمرها، وفي أقطار أخرى جماعات وخلافات أو مجرد أفراد من المؤمنين.

فلتأسيس"جماعة المسلمين القطرية"، حيث الأفراد أو الجماعات والخلاف، نرى أن يجتمع ذوو الغناء في الإسلام وهم الذين أفادوا الدعوة وخدموها أو يستطيعون خدمتها، وذوو السابقة وهم الذين برهنوا بسابق جهادهم على صدقهم، وذوو الحظ من الله وهم الصادقون الصالحون العازمون على الجهاد. يجتمعون في مؤتمر إن كان الجبر الذين هم تحته يسمح بالحريات العامة أو يجتمعون سرا إن كان يضطهد. ويختار هؤلاء الأصناف الثلاثة مجلسا قياديا ويختار المجلس مرشدا. ومن هذه القيادة ينبثق البناء الهرمي نزولا ليلتقي باختيار أهل الغناء والسابقة والحظ من الله في القاعدة. وسنرجع إلى البناء الهرمي في الفصل التالي إن شاء الله.

المنهاج النبوي تربية و تنظيما وزحفا - (ج 1 / ص 103)

عصيان أولي الأمر: أخطر الأمراض.

في قصة الملأ من بني اسرائيل إذ طلبوا إلى نبيهم أن يبعث لهم ملكا يقاتلون معه في سبيل الله أكثر من عبرة.

في حديث للبخاري في كتاب المغازي عن البراء رضي الله عنه قال: « ولم يجاوز معه إلا مؤمن» . أي مع طالوت الملك الذي عينه لبني اسرائيل نبيهم.

فكانت طاعة الأمير الملك معيارا للإيمان وقد مر ذلك الجند بامتحانات عدة:

امتحان الاستعداد لبذل النفس في سبيل الله. ولم ينجح فيه إلا قليل، قال الله تعالى: «فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم» (القصة كلها في سورة البقرة من الآية 246 إلى الآية 252) .

امتحان النزول عن الأنانية الفردية، وهو نزول بدونه لا يمكن جمع الجماعة. قال الله تعالى: «وقال لهم نبيئهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا. قالوا: أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يوت سعة من المال ؟ !» . ولا شك أن الاستكبار منع طائفة من الدخول في الصف.

ج- امتحان الطاعة الكلية قبل لقاء العدو، فإنه ما لم يغلب ويقهر عدو الأنانية المتمنع على الطاعة لأولي الأمر لا سبيل لغلبة العدو. قال الله تعالى: «فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده. فشربوا منه إلا قليلا منهم» . عصوا الأمير فانتفت عنهم قابلية الجهاد.

د- امتحان الاتكال على الله. قلة لم تشرب وهي قلة من الذين لم يعترضوا على إمارة طالوت، ولم يظنوا أنه دونهم استحقاقا لقلة ثرائه. هم قلة من الذين حدثوا أنفسهم بجهاد حين خاطبوا نبيهم في تأمير ملك عليهم. هذه القلة المنتخبة الالمحصة ثلاث مرات بقي فيها من يقول كما حكى الله عز وجل: «لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده !» .

وما لقي العدو واستحق نصر الله والفوز عنده بتوكله على ربه إلا أمثال ذوود عليه السلام، وهم الذين وصفهم الله سبحانه بقوله: « قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين» وهم الذين قالوا عند اللقاء بثقة: «ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين» قال الله تعالى: فهزموهم باذن الله. وقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض

كان لا بد من تمحيص العناصر المريضة في الجند وفرزهم. فعندما بقي المؤمنون حق الإيمان جاءهم نصر الله. فكان الدفاع منسوبا لله وكان النصر من عنده. وما الناس في العملية إلا مجلى للمعاني المتصرعة: الكفر والإيمان. فكان لا بد أن يمثل الإيمان رجال صادقون برئت همتهم من مرض القعود (الامتحان الأول) . وبرئت أنفسهم من وباء الحسد والأنانية والاستعلاء في الأرض بغير الحق (الامتحان الثاني) . وبرئت جوانحهم من آنات العصيان عندما يصدر للتنفيذ في الساعة الحرجة (الامتحان الثالث) . وبرئت قلوبهم من مثبطات الاعتماد على غير الله (الامتحان الرابع) .

تنبيه: إمارة طالوت جاءت وحيا من الله. لكن لا يقدح في إمارة من ولاه المؤمنون أمرهم وعقدوا معه شرعيا أن يكون مصدر إمارته أرضيا. فإن الله تعالى مع المحسنين، فيؤول أمر عقد عقدوه إلى قداسة أمور السماء.

صدق الله تعالى قال: «وكان حقا علينا نصر المؤمنين» (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت