فإن الناظر في واقع المسلمين اليوم يجد أن مصيبتهم الكبرى هي ترك الجهاد (حب الدنيا وكراهية الموت) ولذا تسلط الطغاة على رقاب المسلمين في كل ناحية وفوق كل أرض، وذلك لأن الكفار لا يهابون إلا القتال:
(فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا)
(النساء: 84)
ونحن إذ ندعو المسلمين ونستحث خطاهم للقتال لأسباب كثيرة وعلى رأسها:
1-حتى لا يسود الكفر.
2-لقلة الرجال.
3-الخوف من النار.
4-أداء للفريضة واستجابة للنداء الرباني.
5-إتباعا للسلف الصالح.
6-إقامة القاعدة الصلبة التي تكون منطلقا للإسلام.
7-حماية المستضعفين في الأرض.
8-طمعا في الشهادة.
1-حتى لا يسود الكفر:
ففي الآية الكريمة:
(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير) (الأنفال: 39)
فإذا توقف القتال ساد الكفر وانتشرت الفتنة وهي الشرك.
2-لقلة الرجال:
إن أزمة العالم الإسلامي هي أزمة رجال يضطلعون بحمل المسؤولية والقيام بأعباء الأمانة، وكما جاء في الصحيح: الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلته (1) [أي أن الكامل في الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة لقلة الراحلة في الابل والراحلة هي البعير القوي على الاسفار والأحمال النحيب التام الخلق الحسن المنظر ويقع على الذكر والأنثى والهاء فيه للمبالغة] .
أي لا تجد في كل (مائة جمل) واحدا يحتملك في أسفارك، وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لصفوة من صحبه تمنوا، فتمنى كل واحد منهم شيئا ثم قالوا: تمن يا أمير المؤمنين، فقال: أتمنى أن يكون لي ملء هذا البيت مثل أبي عبيدة.
إن الرجال الذين يعلمون قليلون والذين يعملون أقل، وإن الذين يجاهدون أندر وأغرب، وإن الذين يصبرون على هذا الطريق لا يكادون يذكرون.
نظرت ذات مرة في حلقة قرآنية من الشباب العرب الذين وردوا إلى أرض العزة والمجد -أعني أرض أفغانستان-.
والعز في صهوات المجد مركبه والمجد ينتجه الإسراء والسهر
أقول نظرت في وجوه الشباب، حتى أرى من بينهم من يتقن أحكام التلاوة لأوكل إليه الحلقة، فلم أجد أحدا ، وعندها حق لي أن أقول: ما أنصفنا قومنا، وهو نفس قول النبي ص عندما قتل سبعة بين يديه يوم أحد من شباب الأنصار.
ونحن نقول إن إخواننا المتعلمين والدعاة الناضجين لم يفدوا إلينا، بل إن بعضهم ينصح القادمين بالإستقرار في بلده، ولو كان لا يستطيع أن ينبس ببنت شفة من ظلم الطغاة وجبروت المتسلطين!! وبعضهم يفتي بلا علم، يقول: إن الأفغان بحاجة إلى مال وليسوا بحاجة إلى الرجال!! وأما أنا ف-م-ن خلال معايشتي اليومية لهذا الجهاد وجدت أن الأفغان بحاجة شديدة إلى المال ولكن حاجتهم إلى الرجال أشد، وعوزهم إلى الدعاة أكثر.. أقرر هذا وأنا أعيش السنة الثامنة بين المجاهدين.
وإن كنت في ريب مما أقول فهيا بنا نعبر أفغانستان لتجد جبهة بكاملها ليس فيها من يتقن قراءة القرآن، وانتقل معي إلى جبهة أخرى لتتأكد أن ليس فيها من يعرف صلاة الجنازة، مما يضطرهم لحمل شهيدهم -لأن الشهيد يصلى عليه في المذهب الحنفي- مسافات بعيدة ليجدوا من يصلي عليه.
أما أحكام الجهاد الفقهية كتوزيع الغنائم ومعاملة الأسرى فحدث عن الجهل بها ولا حرج في جبهات كثيرة، مما يضطرهم إلى تحويلهم إلى منطقة فيها عالم أو علماء ليروا فيهم رأيهم حسب مقتضى الشرع الإسلامي، وإنك لتلمس الحاجة الشديدة للدعاة والأئمة وقراء القرآن والعلماء من خلال الآثار العميقة التي خلفها في الجبهات شباب من العرب ذوي ثقافة بسيطة، قد لا تتجاوز المرحلة الثانوية، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر الأخوة: عبد الله أنس، أبا دجانة، وأبا عاصم، وطاهر، وغيرهم كثير، ولو حدثتك عن أبي شعيب الأمي العربي وماذا ترك وراءه من آثار معنوية في ولاية بغلان بكاملها لوقفت واجما مشدوها لا تحير بكلمة ولا ينقضي منك العجب.
ونحن نأمل من الأخوة الذين لم يستطيعوا أن ينفلتوا من قفص العادات الإجتماعية، ولم ينفضوا عن رؤوسهم ركام التقاليد ولم يلقوا عن كاهلهم موروثات الأجيال المهزومة تحت ضغط الواقع المرير، وأمام الهجوم الإستشراقي الماكر الشرير، أقول لهؤلاء الأخوة: إن لم ينفروا إلينا بأنفسهم فلا أقل من أن يدعوا الذين يرفرفون بأرواحهم فوق أرض الجهاد أن يصلوا بأجسادهم إليها.
قلنا للقاضي (مظلوم) أحد أركان أحمد شاه مسعود -ألمع قائد في أفغانستان بلا منازع- حدثنا عن أبي عاصم قارئ القرآن الذي استشهد بينكم في (أندراب) فقال: لم أر مثله في هيبته وسمته ودله (الوقار والسكينة) ، فكان أحدنا لا يجرؤ أن يتكلم في حضرته، ولا أن يمد رجله فضلا عن أن يهزل أو يضحك، فماذا تقول يا أخي إذا أخبرناك أن أبا عاصم لا يحمل إلا الشهادة الثانوية وعمره دون الثالثة والعشرين ولكنه يحفظ القرآن؟!!
ولذا فقد آن أوان الرجال، وهذا مقام الفعال دون حال المقال.