فهرس الكتاب

الصفحة 1211 من 1363

وسئل بعضهم عمن حج بمال حرام، أترى ذلك مجزيًا عنه، ويغرم المال لأصحابه؟ فأجاب: أما في مذهبنا فلا يجزئه، وأما في قول الشافعي فذلك جائز، ويرد المال، ويطيب له حجه . انتهى.

فإذا قلنا بالإجزاء، فمذهب جماعة من المالكية والشافعية عدم القبول، منهم القرافي والقرطبي من أصحابنا ـ المالكية ـ والغزالي والنووي من الشافعية، قال برهان الدين: ورأيت في بعض الكتب عن مالك رحمه الله عدم الإجزاء، وأنه وقف في المسجد الحرام في الحج ونادى: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس، من حج بمال حرام فليس له حج؛ أوكلام هذا معناه.

إلى أن قال:

وقال ابن القاسم: قال مالك رحمه الله: لا بأس أن يحج بثمن ولد الزنا، وفي كتاب الطراز للقاضي أبي الدعائم سند بن عنان المالكي المصري: إذا حج بمال مغصوب ضمنه وأجزأه حجه، وهذا قول الجمهور.

وعن أحمد بن حنبل: لا يجزئه وحجه باطل.

قلت: وأنشد بعضهم في هذا المعنى لبعض الحنابلة، وهو من القول بالموجب:

يحجون بالمال الذي يجمعونه حرامًا إلى البيت العتيق المحرم

ويزعم كل أن تحط رحالهم تُحَطُّ و لكن فوقهم في جهنم).

وقال الإمام النووي الشافعي رحمه الله: (إذا حج بمال حرام، أوراكبًا دابة مغصوبة أثم وصح حجه، وأجزأه عندنا، وبه قال أبو حنيفة ومالك والعبدري، وبه قال أكثر الفقهاء، وقال أحمد: لا يجزئه، ودليلنا أن الحج أفعال مخصوصة، والتحريم لمعنى خارج عنها) .

وقال الشيخ عبد الله البسام حفظه الله وهو يتحدث عن فضل الحج والعمرة: (كما ينبغي أن يعد لحجه وعمرته نفقة طيبة حلالًا، فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، فإن حج بمال حرام من غير غصب أوربا، عالمًا بذلك وقت حجه، لم يصح حجه، وإن كان وقت أداء الحج أوالعمرة لا يعلم عن حرمته، فحجه وعمرته صحيحان، وأما المال الحرام فيخرجه بعينه إن كان موجودًا أومثله إلى صاحب الحق، أويتصدق به، ومثله المكتسب من الربا) .

قلت: ليس فيما قال النووي حجة ولا دليل على الإجزاء غير المصحوب بالقبول، وهذا كله لمن لم يعلم بحرمة ماله عند أداء النسك.

من حج أواعتمر بمال حلال وآخر فيه شبهة أومن كسب خسيس

من حج بمال حلال وآخر مشبوه، عليه أن يتخلص من المال المشبوه بإنفاقه على الفقراء والمساكين، وأن لا يدخل منه شيء في نسكه، ولا في إحرامه، ولا في تنقله، ولا في أكله وشربه وهديه، فإن فعل ذلك أجزأه حجه وعمرته، وتقبل منه إن شاء الله، أما ما أنفقه من المال المشبوه فليس فيه ولا أجر المناولة، فقط يكسب التخلص منه، ولكن يؤجر على ما تصدق به من مال من كسب خسيس، والله أعلم.

أقوال العلماء

قال الونشريسي رحمه الله: (ووجد التادلي بخط الشيخ الفقيه الصالح أبي إسحاق إبراهيم بن يحيى المعروف بابن الأمين الشنقيطي من تلامذة ابن رشد على ظهر شرحه لكتاب الموطأ ما نصه: قال أحمد بن خالد، قال ابن وضاح: يستحب لمن حج بمال فيه شبهة شيء أن ينفقه في سفره، وما يريد من حوائجه، ويتحرى أطيب ما يجد، فينفقه من حين يحرم بالحج فيما يأكل ويلبس من ثياب إحرامه وشبه هذا، ورأيته يستحب هذا ويعجبه.. وذكره عن بعض السلف) .

وقال ابن مفلح رحمه الله:(وفي"الرعاية الكبرى"يكره كسب الحجام، والفصد ونحوه، وعسب الفحل، والماشطة ونحوها، والنائحة، والبلان، والمزين، والجرائحي، والصائغ، والصباغ، والحداد، وقيل: البيطار، ونحو ذلك.

وروى الخلال أن امرأة ماشطة جمعت مالًا من ذلك فجاءت إلى أبي عبد الله، وقالت: أريد الحج؛ فقال أبو عبد الله: لا يحج به، وليس هاهنا أحل من الغزل.

وذكر بعضهم أن أحمد سئل عن كسب الماشطة أتحج منه؟ قال: لا، غيره أطيب منه.

وقال المروذي: سمعت امرأة تقول: جاءت امرأة إلى أبي عبد الله من هؤلاء اللاتي يمشطن، فقالت: إني أصل رأس المرأة بقرامل وأمشطها، أترى أن أحج مما أكتسب؟ فقال: لا، وكره كسبها، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: قال ابن عقيل: ويكره تعمد الصنائع الدنيئة مع إمكان ما هو أصلح منها) .

هذا لمن لم يجد غير هذه المهن، وإن كانت جميع المهن مباحة، وقد تتعين في بعض الأحيان، لكن من وجد مهنة طيبة فعليه أن لا يتعمد المهن الخسيسة من أجل أن مردودها وعائدها أكبر.

فكسب الماشطة، والمزين، والحجام، ونحوهم حلال، ولكنه ليس بطيب، فمن كان له مال كسبه من غير هذه المهن فعليه أن يحج ويعتمر منه، وينفق هذا المال في معايشه، والله أعلم.

الخلاصة

الذي يترجح لدي من مذاهب وأقوال أهل العلم السابقة الآتي:

1.أن من حج أواعتمر بمال حرام يعلم حرمته قبل الشروع في الحج حجه وعمرته مردودان عليه، ولا يجزيان عن حج وعمرة الإسلام.

2.أن من حج بمال حرام وهو لا يعلم أن ماله هذا حرام عند قيامه بالحج والعمرة أن حجه صحيح وعليه أن يتخلص من هذا المال، من عينه إن وجد أوما يعادله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت