2.المراد بالتبين انتشار ضوء الفجر - وذهب إلى ذلك علي وابن مسعود رضي الله عنهما، ومن وافقهما، وهذا قول مرجوح.
3.المراد بالتبين إلى ما قبل طلوع الشمس - وهذا قول شاذ مردود.
استدل أصحاب القول الأول وهم العامة من أهل العلم بالآتي
1.حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه قال:"لما نزلت"حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ"، قلت: يا رسول الله: إني جعلت تحت وسادتي عقالين، عقالًا أبيض وعقالًا أسود، أعرف الليل من النهار؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن وسادك لعريض، إنما هو سواد الليل وبياض النهار".
2.وحديث سهل بن سعد رضي الله عنهما قال:"أنزلت"وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ"، ولم ينزل"مِنَ الْفَجْرِ"، فكان رجال إذا أرادوا الصيام ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله تعالى"مِنَ الْفَجْرِ"، فعلموا أنه يعني به الليل من النهار".
3.وحديث سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يغرنكم أذان بلال، ولا هذا العارض لعمود الصبح حتى يستطير".
4.وحديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يمنعن أحدكم - أوأحدًا منكم - أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن أوينادي بليل، ليرجع قائمكم، ولينبه نائمكم، وليس أن يقول: الفجر أوالصبح، وقال بإصبعه ورفعها إلى فوق وطأطأ إلى أسفل، حتى يقول: هكذا، وقال بسبابتيه إحداهما فوق الأخرى ثم مدهما عن يمينه وشماله".
واستدل أصحاب القول الثاني وهم القائلون أن المراد بالتبين انتشار ضوء الفجر بالآتي
1.بما رواه أبوداود في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه".
2.وبما رواه النسائي والبيهقي في سننه عن زر قال: قلنا لحذيفة: أي ساعة تسحرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال:"هو النهار إلا الشمس لم تطلع".
رد أصحاب القول الأول على هذين الحديثين، وأولوهما على افتراض صحتهما بالآتي
قال ابن القيم في تعليقه على سنن أبي داود عن الحديث الأول: (هذا الحديث أعله ابن القطان بأنه مشكوك في اتصاله، قال: لأن أبا داود قال: أنبأنا عبد الأعلى بن حماد - أظنه عن حماد - عن محمد بن عمر عن أبي هريرة) .
وقال البيهقي في سننه الكبرى: (قالوا: وأما حديث حذيفة فمعلول، وعلته الوقف، وإن زرًا هو الذي تسحر مع حذيفة، ذكره النسائي) .
وقال الخطابي في معالم السنن مؤلًا المراد من الحديث:(هذا على قوله صلى الله عليه وسلم:"إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم"، أويكون معناه إن سمع الأذان وهو يشك في الصبح، مثل أن تكون السماء متغيمة، فلا يقع له العلم بأذانه أن الفجر قد طلع، لعلمه أن دلائل الفجر معدومة، ولو ظهرت للمؤذن لظهرت له أيضًا، فإذا علم انفجار الصبح فلا حاجة إلى أوان الصباح أذان الصارخ لأنه مأمور بأن يمسك عن الطعام إذا تبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.
وقال في فتح الودود: قال البيهقي: إذا صح هذا يحمل عند الجمهور على أنه صلى الله عليه وسلم قال حين كان المنادي ينادي قبل طلوع الفجر بحيث يقع شربه قبل طلوع الفجر) .
أما القول الثالث فقد انعقد الإجماع على شذوذه كما حكى ذلك ابن عبد البر وغيره.
أقوال العلماء
قال الإمام النووي عن مذاهب العلماء في الدخول في الصوم:(هذا الذي ذكرناه من الدخول في الصوم بطلوع الفجر وتحريم الطعام والشراب والجماع به هو مذهبنا ومذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم؛ قال ابن المنذر: وبه قال عمر بن الخطاب، وابن عباس، وعلماء الأمصار، قال: وبه نقول.
قال: روينا عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال حين صلى الفجر: الآن حين تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، قال: وروي عن حذيفة أنه لما طلع الفجر تسحر ثم صلى، وروي معناه عن ابن مسعود، وقال مسروق: لم يكونوا يعدون الفجر فجركم، إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق.
قال: وكان إسحاق يميل إلى القول الأول من غير أن يطعن على الآخرين، قال إسحاق: ولا قضاء على من أكل في الوقت الذي قاله هؤلاء؛ هذا كلام ابن المنذر).