فهرس الكتاب

الصفحة 1238 من 1363

2.لا يعيد الوضوء من مشى حافيًا

3.الخف والنعال إذا أصابتهما نجاسة تزال بالدلك

4.الصلاة في النعال

5.الصلاة فيما تيسر سوى المغبرة وأعطان الإبل

شبه الموسوسين ودحضها

عقوبة المتنطعين

من نوادر الموسوسين

أفضل ما ألف في ذم الوسوسة والموسوسين

تمهيد

من سمات هذا الدين العظيم، وصفاته المستديمة التوسط والاعتدال في جميع الأمور، في العقائد، والعبادات، والمعاملات، والمباحات، إذ لا تفريط فيه ولا إفراط، ولا تشدد وتزمت، ولا تسيب وتفلت، تتمثل هذه السمة أصدق تمثيل عند أهل السنة والجماعة، الفرقة الناجية، نقاوة المسلمين.

لقد نهى الإسلام أتباعه أشد النهي عن التشدد والغلو، وحذرهم من ذلك في آيات تتلى وأحاديث تترى، وآثار تقرأ، وما فتئ أهل العلم في كل وقت وحين وفي كل مصر وعصر ينصحون إخوانهم المسلمين ويذكرونهم بخطورة ذلك على الدين.

الغلو والتنطع والتشدد مردُّه في كثير من الأحيان إلى كيد الشيطان ومكره وخبثه، ولهذا حذرنا ربنا منه، وبين عداوته الدائمة لبني آدم، وأخذه على نفسه المواثيق المغلظة للقيام بذلك، قائلًا:"إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوًا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير"، وبيَّن رسوله الكريم أن للشيطان مداخل على بني آدم لا تحصى ولا تعد، فهو يجري منه مجرى الدم، لا فرق في ذلك بين صالحهم وطالحهم إلا من رحم الله، فقد صح عن صفية بنت حيي رضي الله عنها أنها قالت:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفًا فأتيته أزوره ليلًا فحدثته ثم قمت فانقلبت، فقام معي ليقلبني - وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد - فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: على رسلكما، إنها صفية بنت حيي؛ فقالا: سبحان الله يا رسول الله! فقال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيتُ أن يقذف في قلوبكما سوءًا - أوقال - شيئًا".

وما من إنسان إلا وله قرين من الشياطين، حتى رسولنا صلى الله عليه وسلم، إلا أن الله أعانه عليه فأسلم كما أخبر.

مع ذلك بين ربنا سبحانه وتعالى أن كيد الشيطان كان ضعيفًا، وأنه ليس له سلطان إلا على الذين يتولونه، والذين هم به مشركون ومغرمون، ولهذا ما سلك عمر بن الخطاب فجًا إلا وسلك الشيطان فجًا غيره كما أخبر الصادق المصدوق.

على الرغم من أن الله عز وجل جعل للعقل البشري حدًا لا ينبغي له أن يتجاوزه أويتعداه، من ذلك أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أمته وإرشاده إلى حصر تفكيرهم في مخلوقات الله، وألا يتفكروا في ذاته العلية وصفاته السنية، إلا أن البعض يتطفلون فيقودهم فضول التفكير في أشياء يود أحدهم أن تدق عنقه ولا يخطر بباله شيء منها.

وكذلك حد حدودًا، وفرض فروضًا، وشرع عبادات، أمر بالتزامها، ونهى عن تعديها، وترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، وعلى الحنيفية السمحة، لا يتجاوزها إلا خاطئ ضال.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما روى عنه مالك:"سُنَّت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة، إلا أن تميلوا بالناس يمينًا وشمالًا".

وقال ابن مسعود رضي الله عنه:"من كان منكم مستنًا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم وسيرتهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم".

وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله:"سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمور بعده سننًا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر فيما خالفها، من اقتدى بها فهو مهتدٍ، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا".

الشيطان له مداخل عدة، وطرق شتى على بني آدم، تختلف باختلافهم، من أخطر هذه المداخل، وأعظمها ضررًا، وأقواها تأثيرًا، وأعمها فسادًا هي الوسوسة، التي هي طريقه لفريق من المسلمين الذين عجز عن إغوائهم بالطرق الأخرى، ولم تصدهم حبائله المختلفة، عمد إليهم بهذه الوسيلة، وخدعهم بخدعة ظاهرها الرحمة وباطنها من قبله العذاب، لهذا أمر أن نستعيذ منه ومن وسوسته على وجه الخصوص، وأنزل سورة خاصة بذلك وهي سورة الناس، التي جاء فيها:"من شر الوسواس الخناس. الذي يوسوس في صدور الناس".

الوسوسة من الأمراض القديمة والأدواء الخطيرة، ذات المجالات العديدة، والاضرار البليغة، والآثار السلبية الكثيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت