قال الحافظ ابن حجر في شرح قوله صلى الله عليه وسلم:"فاركع ركعة توتر لك ما صليت":(اختلف السلف في ذلك في موضعين:
أحدهما: في مشروعية ركعتين بعد الوتر عن جلوس.
والثاني: فيمن أوتر ثم أراد أن يتنفل في الليل، هل يكتفي بوتره الأول، ويتنفل ما شاء؟ أويشفع وتره بركعة ثم يتنفل؟ ثم إذا فعل ذلك هل يحتاج إلى وتر آخر أم لا؟
فأما الأول: فوقع عند مسلم من طريق أبي سلمة عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم:"كان يصلي ركعتين بعد الوتر وهو جالس"،وقد ذهب إليه بعض أهل العلم وجعلوا الأمر في قوله:"اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وترًا"، مختصًا بمن أوتر آخر الليل، وأجاب من لم يقل بذلك بأن الركعتين المذكورتين هما ركعتا الفجر، وحمله النووي على أنه صلى الله عليه وسلم فعله لبيان جواز التنفل بعد الوتر، وبيان جواز التنفل جالسًا.
وأما الثاني: فذهب الأكثر إلى أنه يصلى شفعًا ما أراد ولا ينقض وتره، عملًا بقوله صلى الله عليه وسلم:"لا وتران في ليلة"، وهو حديث حسن.. وإنما يصح نقض الوتر عند من يقول بمشروعية التنفل بركعة واحدة غير الوتر، وقد تقدم ما فيه، وروى محمد بن نصر من طريق سعيد بن الحارث أنه سأل ابن عمر عن ذلك فقال: إذا كنت لا تخاف الصبح ولا النوم فاشفع ثم صلِ ما بدا لك ثم أوتر، وإلاّ فصل وترك على الذي كنت أوترت؛ ومن طريق أخرى عن ابن عمر أنه سئل عن ذلك فقال: أما أنا فأصلي مثنى، فإذا انصرفت ركعت ركعة واحدة، فقيل: أرأيت إن أوترت قبل أن أنام ثم قمت من الليل فشفعت حتى أصبح؟ قال: ليس بذلك بأس) .
وقال الحافظ زين الدين العراقي معلقًا على قوله صلى الله عليه وسلم:"فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى": (مقتضاه أن يكون الوتر آخر صلاة الليل، فلو أوتر ثم أراد التنفل لم يشفع وتره على الصحيح المشهور عند أصحابنا وغيرهم، وقيل يشفعه بركعة ثم يصلي، وإذا لم يشفعه فهل يعيد الوتر آخرًا؟ فيه خلاف عند المالكية، وقال الشافعية: لا يعيده لحديث"لا وتران في ليلة") .
وقال أبو عيسى الترمذي:(واختلف أهل العلم في الذي يوتر أول الليل،ثم يقوم من آخره، فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم نقض الوتر وقالوا يضيف إليها ركعة، ويصلي ما بدا له ،ثم يوتر في آخر صلاته، لأنه لا وتران في ليلة، وهو الذي ذهب إليه إسحاق.
وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم: إذا أوتر من أول الليل، ثم نام، ثم قام من آخره: أنه يصلي ما بدا له ،ولا ينقض وتره، ويدع وتره على ما كان.
وهو قول سفيان الثوري و مالك بن أنس و أحمد و ابن المبارك.
وهذا أصح لأنه روي من غير وجه: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بعد الوتر.)
ما يقرأ في الوتر
أرجح الأقوال وأفضلها الوتر بثلاث يفصل بينها ،يختم بها صلاة الليل يقرأ في الأولى بعد الفاتحة بـ"سبح اسم ربك الأعلى"وفي الثانية بـ"الكافرون"وفي الثالثة بـ"الاخلاص"وقيل الاخلاص والمعوذتين.
وذلك لما صح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الوتر بـ"سبح اسم ربك الأعلى"، و"قل ياأيها الكافرون"و"قل هو الله أحد"في ركعة ركعة.""
وعن عبد العزيز بن جريج قال: سألت عائشة: بأي شئ كان يوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟قالت:كان يقرأ في الأولى بـ"سبح اسم ربك الأعلى"وفي الثانية بـ"قل ياأيها الكافرون"والثالثة بـ"قل هو الله أحد"والمعوذتين.)
قال أبو عيسى الترمذي: (والذي اختاره أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم أن يقرأ بـ"سبح اسم ربك الأعلى"و"قل ياأيها الكافرون"و"قل هو الله أحد"يقرأ في كل ركعة من ذلك بسورة.)
الوتر على الدابة في السفر
لقد رُخِّص للمسافر أن يتنفل على دابته فقد صح عن ابن عمر رضي الله عنهما"أنه كان يصلي من الليل على دابته وهو مسافر."
وعن ابن جريج قال: حدثنا نافع أن بن عمر كان يوتر على دابته.
وقال ابن جريج: وأخبرني موسى ابن عقبة عن نافع أن ابن عمر كان يخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك .
هذا ما ذهب إليه الجمهور ولم يجز الأحناف الوتر خاصة على الدابة .
قال الحافظ ابن حجر: (قال الطحاوي ذكر عن الكوفيين أن الوتر لا يصلى على الراحلة، وهو خلاف السنة الثابتة. واستدل بعضهم برواية مجاهد أنه رأى ابن عمر نزل فأوتر، وليس ذلك معارض لكونه أوتر على الراحلة لأنه لا نزاع أن صلاته على الأرض أفضل.)
ومما يدل على أن أكثر فعل ابن عمر الوتر على الراحلة ما قاله ابن عمر لسعيد بن يسار عندما نزل وأوتر على الأرض:"أليس لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة؟ فقلت: بلى والله. قال: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير."