وأما في المعارك الضارية التي تشهدها ساحات الجهاد اليوم - لا سيما في العراق وأفغانستان - فهي في وضع مختلف اختلافًا كبيرًا في كثير من صورها وظروفها، هذا مع أن المجاهدين قد فُرض عليهم نوعية المعركة وساحاتها، وربما اختيار الوقت المناسب لبعض عملياتها، والله المستعان.
قال الدكتور محمد خير هيكل: (ومن الصور الحديثة التي تأخذ حكم التترس؛ أن يعمد الخصم إلى مقر قيادته أو إلى المنشآت العسكرية الاستراتيجية عنده فيحشوها بالرهائن - مثلا - وذلك بقصد حماية هذه الأماكن، حتى لا تتعرض للضرب من قبل الطرف الآخر، وهكذا تكون الأسلحة الحديثة قد وسعت من مفهوم التترس، بل جعلت هذا المفهوم في صوره المعاصرة أقوى منه في صوره القديمة.
ففي القديم كان الخصم المقاتل يحتمي بشخص ممن ينتمي إلى الطرف الآخر، يمسك به أمامه ليتفادى به ضربات خصمه، وكذلك بالنسبة للجيش المقاتل حين يقدم أمامه صفا من الأسرى الأعداء - مثلا - ليتلقى بهم ضربات السيوف أو طعنات الرماح وما إليها ... ففي هذه الحال يمكن للطرف الآخر الذي يهمه أن لا يتعرض الترس الحي أو الدرع البشري عند خصمه للأذى؛ قد يمكنه أن يقاتل، ويتفادى ما أمكنه أن يصيب ذلك الترس أو ذلك الدرع البشري ...
أما اليوم مع الأسلحة الحديثة المتطورة ... التي منها ما يحيل هدفه إلى كومة من رماد بما فيه ومن فيه، فإن التترس في صوره المعاصرة التي أشرنا إليها، من شأنه أن يُكره الخصمَ؛ إما على الكف عن فكرة القتال حرصا على حياة الدرع البشري، وإما أن يقبل بفكرة التضحية المحققة بحياة هذا الدرع، وإعلان القتال بالأسلحة التدميرية الشاملة ... أو أن ينجر إلى حرب طويلة الأمد ضد الخصم، بأسلحة تقليدية قد لا يكون من مصلحته أن يخوض مثل هذا النوع من الحروب التي تَحرِمه من الاستفادة من أسلحته التدميرية الشاملة ... وذلك بسبب حرصه على حياة رهائنه عند خصمه، والذين سيكونون من أولى ضحايا تلك الأسلحة التدميرية فيما لو أراد استعمالها ... الأمر الذي يصعب عند هذا الظرف أن يَطرح هذه الفكرة على بساط البحث ...