فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 260

ثم إن المعروف عن ابن المنذر أنه متساهل في حكاية الإجماعِ، ولا يسلم بكل ما يحكيه من إجماعات أو اتقاقات، وهذا معروف لمن له دربة بالفقه [1] ، ومما يدل على نقض ما ذكره ابن المنذر عموم الحديث الوارد في دفع الصائل ونصه:"أرأيت إن جاءني رجلٌ يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه قال: فإن قاتلني؟ قال: فقاتله"، والحديث يدل على عموم الدفع ولم يخص السلطان من ذلك، ومن المعلوم أن ترك الاستفصالِ في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم من المقال، ومما يقوي هذا المعنى لفظة (رجل) حيث أنها نكرة في سياق الشرط وهي تدل على العموم.

ومما يقوي هذا النقض ويؤيده ما ورد من قصة في ذكر الحديث كما ثبت في مسلم وغيره: لما كان بين عبد الله بن عمرو وعنبسة بن أبي سفيان ما كان تيسرا للقتال ... وذكر الحديث واستدلال عبد الله بن عمرو به في هذا الموضع، وقول الراوي ما كان هو من اختصار بعضِ رواة الحديث، وقد جاء هذا مفصلا في روايات في روايات أخرى تبين سبب ذكر عبد الله بن عمرو للحديث واستدلاله به، ومن اللفظ الثابت في صحيح مسلم: يظهر أن عنبسة أراد العدوان على شيء من مال عبد الله بن عمرو، فأراد عبد الله أن يقاتل دونه، وحين حوجج استدل بالحديث، وعنبسة كان والي معاوية على الطائف ومكة، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وأشار بقوله: (ما كان) إلى ما بينه حيوة في روايته المشار إليها، فإن أولها أن عاملا لمعاوية أجرى عينا من ماء ليسقي بها أرضا، فدنا من حائط لآل عمرو بن العاص فأراد أن يخرقه ليجري العين منه إلى الأرض، فأقبل عبد الله بن عمرو ومواليه بالسلاح وقالوا: والله لا تخرقون حائطنا حتى لا يبقى منا أحد ... فذكر الحديث، والعامل المذكور هو عنبسة بن أبي

(1) يقول الشيخ سليمان العلوان في شرح الواسطية:"والإجماع نوعان إجماع قطعي ... النوع الثاني: إجماع ظني وليس بقطعي وهذا ما يعبر عنه بعض الفقهاء كابن قدامة في المغني رحمه الله يقول: لا أعلم في ذلك خلافًا ولا أحفظ عن أحد من العلماء خالف وغير ذلك من الألفاظ المشعرة بالبعد عن القطعي ويعبر عنه بعض العلماء بقوله: أجمع العلماء واتفق العلماء وفي بعض هذه الإجماعات نظر فمن ذلك إجماعات ابن المنذر رحمه الله فهو لا يبالي بمخالفة الواحد والاثنين وهذا فيه نظر ومن ذلك إجماعات ابن جرير فهو لا يبالي بمخالفة الواحد والاثنين وهذا فيه نظر ومن ذلك إجماعات النووي وبعض إجماعات شيخ الإسلام ابن تيمية وإجماعات ابن عبد البر وغير ذلك هذه لا تكون صحيحة من كل وجه وهي من الإجماعات الظنية لكن الإجماعات القطعية التي لا يختلف فيها العلماء". ويقول الشيخ عبد الكريم الخضير في شرح الموطأ (كتاب الجنائز) :"كثير من الإجماعات التي ينقلها كثير من أهل العلم كابن المنذر، ابن عبد البر، ابن قدامة، النووي غيرهم كثير منها مخروم؛ لأنهم ينقلون حسب علمهم، وكثير منهم يقولون: لا أعلم في المسألة خلافًا وهذا أسهل، نفي الخلاف أسهل من نقل الإجماع". (أحمد)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت