فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 260

فلا يجوز له أن يُظهر لإخوانه الفظاظة والغلظة أبدًا، بل كان شأن النبي صلى الله عليه وسلم وهديه أنَّه لا يُرى منه غضبٌ ولا تجهُّمٌ إلاَّ إن رأى منكرًا.

وإذا أخذ إخوانه بالشدة لأمر فيه مصلحتهم من التدريب المشروع كما يأتي في بيان حكم النوع الأول من الشدة؛ فلا يجوز أن يُعاملهم معاملةً تُفهمهم أنَّ هذه الشدة على وجه الفظاظة وغلظ القلب، بل الواجب عليه أن يعتذر منهم ويوضّح لهم ويُفهمهم أنَّ الشدَّة يُراد بها مصلحتهم، وأنَّها جزءٌ من التدريب العسكريّ، ويُؤكِّد على الأُخوَّة والمحبَّة الشرعيَّة، وحبَّذا لو يفعل كما فعل كثيرٌ من خيار المدرّبين إذا أمروا بأمر فيه مشقَّة أن يسابقوا إليه ويشاركوا المتدربين فيه، مع أنَّ ذلك غير لازم لهم، ولكن فيه من مكارم الأخلاق وإصلاح النفوس ما لا يخفى.

وأمَّا النوع الثاني من الشدة، وهو الشدة البدنية، كالتقليل من الطعام والشراب، والتعويد على السهر أيامًا ولياليَ، ومضاعفة التدريبات والرياضات على المتدرِّب مضاعفةً تُرهقه ويكون فيها عليه نوع مشقَّة؛ فلا بدّ لمعرفة حكمها من معرفة الأصل الشرعي من منع الضرر كما في حديث:"لا ضرر ولا ضرار"، حسَّنه ابن رجب وغيره، وفي منع من ولي أمرًا من المشقَّة على من تحت يده، كما في حديث عائشة:"اللهم من ولي من أمر أمَّتي شيئًا فشقَّ عليه فاشقق عليه".

ويُستثنى من الضرر والمشقَّة والمفسدة التي تعودُ على الأفعال بالتحريم: ما كان مصاحبًا لعبادةٍ من العبادات أو عادةٍ من العادات المعلوم إباحتها، داخلًا في ماهيَّتها أو ملازمًا لها؛ فإنَّ كلَّ عبادةٍ بُنيت على نوعٍ من المشاقِّ الملازمة لها، فلا تكون تلك المشاقُّ سببًا في إسقاطها أو الترخص فيها إلا بدليل خاصٍّ، وقد بُني الجهاد على تحمُّل المشقة العظيمة والجراحات فيه، ولا يكون حصول تلك الجراحات أو المشقة مانعًا من الجهاد ومسقطًا لوجوبه، في حين أن تلك الجراحات لو وجدت في الصلاة لسقطت عنه الصلاة قائمًا وصلى قاعدًا، ولو وجدت في الحج سقط عنه الحجُّ من عامه وهكذا، وبُنيت الزكاة على بذل المال فيبذل المقدار الواجب ولو كان قناطيرَ مُقنطرةً، وكذلك الحجُّ، ولو أنّه لم يجد ماءً للوضوء إلاَّ بأكثرَ من ثمنِ المثلِ لم يلزمه أن يشتريه وسقط عنه الوضوءُ على قول أكثر أهل العلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت