فإذا عُرف هذا الأصل؛ فإن المشقة التي تُغتفر في الإعداد، هي ما كان عليه عرف أوساط الناس من العقلاء المجاهدين، مما هو ملازمٌ للإعداد مصاحبٌ له في العادة، دون ما زاد عن ذلك الحدِّ من المشقَّة، ويُعتبر في الإعداد أنَّه وسيلة الجهادِ، فالَّذي يُؤمر الناس بإعداده هو ما يستطيعون الجهاد به، ويختلف هذا بين زمانٍ وزمان، ومكانٍ ومكانٍ، ويختلف بحسب المتدرِّب وما يُعدُّ له، فربَّ عمليةٍ لا تحتاج إلى شيء من الإعداد والتدريب، وعمليةٍ تحتاج إلى تدريبٍ عالٍ ومشقةٍ عظيمةٍ وشيء من الضرر، وكلا النوعين مما لا يعسر على أهل الخبرة معرفته وتقديره.
ولا يعني هذا أنَّ كلَّ ما جاز في الجهاد جاز في الإعداد من المشقة، فالجهاد يجوز فيه تعريض النفس للقتل المحقق، والتعرض للجراحات البليغة ونحوها مما ليس من الإعداد، وليس من المعروف في الإعداد، بل المُراد من إلحاق الإعداد بالجهاد، أنَّ ما كان عرفًا في الجهاد والعمليات العسكرية مما يُحتاج إليه من المهارات والأفعال، كانت المشقة التي تحصل عادةً بالاستعداد له مغتفرةً، والله أعلم.
فالسهر أيامًا يسيرة كيومين أو ثلاثةٍ، والجوع الذي لا يبلغُ أن يسقط الرجل معه من الإعياء، والرياضة المرهقة التي لا تبلغ إلى الضرر على شيءٍ من الجسد والأعضاء، كلُّها معتادةٌ مُتعارفٌ عليها في الإعداد والتدريب. [الرشيد- فقه الجهاد]