فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 456

في وضع لا يحسدون عليه، وكلما أصيب مدفع زاد العبء على الآخرين. والمدفع الواحد

تهاجمه ثلاث طائرات مرة واحدة وأحيانا خمسة طائرات. فإذا إشتبك مع إحداها فإنه في ظرف

ثوان يكون قد يكون قد تلقى سي ً لا من الصواريخ من عدة جهات مختلفة.

لقد قتل كثيرون من رماة تلك المدافع الذين قاتلوا ببسالة ليس لها نظيرفي معركة منعدمة التكافؤ.

لم يكن أحدهم يستطيع النوم على الإطلاق، ما لم يهبط من موقعه إلى أسفل الوادي كي ينال

قسطًا قصيرًا من النوم داخل إحدى المغارات في شبه إغماء، لأنه لولا ذلك الإرهاق الزائد

ما کان ليمكنه النوم.

وهذا ما حدث معنا. لم نكن نعبأ بقذائف المدفعية، فهي لن تنفذ إلينا من سقف المغارة على

أى حال .. لذلك كنا ننام في فترة القصف المدفعي الذي لا يلبث أن ينقطع لثوان لتأتي نوبة

الطيران .. عندها نستيقظ ونمسك قلوبنا بأيدينا حتى لا تنخلع .. فالسقف فوقنا ليس قويًا لدرجة

تمكنه من المقاومة، والمغارات ذات أبواب متسعة وتمتد في الجبل مستقيمة ومتعامدة تمامًا

على الوادي، معنى ذلك أن لها قابلية كبيرة لاستقبال الشظايا القاتلة.

أما إذا سقطت قذيفة على المدخل فإن ضغط الهواء مع الشظايا كفيل بتحويل الجميع إلى كتل

من اللحم المفروم والمشوي.

القنابل العنقودية التي ترميها الطائرات كنَّا نراها لأول مرة وإن كانت أُلقيت على أطراف جاور.

وفوق جاور نفسها هطلت القذائف الثقيلة حتى ألف رطل وأخرى متشظية، وقنابل تهبط

بالمظلات وتلقيها الطائرات من إرتفاع منخفض ضمانًا لدقة الإصابة، حتى أن جبال جاور

أصبحت مكسوة بحلة بيضاء من تلك المظلات الحريرية الأنيقة (ما زل ُ ت أحتفظ بواحدة منها)

وصواريخ جو أرض إستخدمت بكثرة ضد مواضع المدفعية المضادة للطائرات.

عند وصولنا كانت أعمال البحث عن الجثث تحت حطام المغارة ما زالت مستمرة. والكثير من

أقارب الضحايا حضروا للبحث عن جثث ذويهم لنقلها كي ُتدَفن في ميرانشاه. هؤلاء أيضًا

سقط العديد منهم ضحايا في جاور نفسها أو في الطريق إليها بواسطة قصف الطائرات والمدافع.

في أحد مغارات جاور وكانت تستخدم كسجن مؤقت للأسرى وجدنا مجموعة من ضباط

الإستخبارات الباكستانية، كانت أشكالهم وهيئتهم مميزة تمامًا عن المجاهدين، وكانوا محاطين

بهالة من المجاهدين للترحيب والحماية. كّنا نحاول دومًا ألا نتواجد معهم في مكان واحد ..

وكانوا يتعرفون على جنسياتنا كعرب من هذه المعاملة الجافة، إلى جانب ملاحظات أخرى

خاصة بالملابس، أما ملامح معظمنا فكانت قريبة من الأفغان.

وعندما رأيت صورة محمد يوسف على مقدمة كتابه (فخ الدب) فإنني أظن أنه كان واحد من

هؤلاء. ولكنه ذكر في كتابه عن معركة جاور أنه لم يكن هناك وقتها إنما وصل إلى ميرانشاه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت