حدثت معجزة غير متوقعة أنقذتنا من تلك الكارثة المتوقعة، فقد إنهمر المطر فجأه غزيرا للغاية.
فحمدت الله علي هذه الرحمة. حاولنا الوصول إلي قرية (دارا) بسرعة للإحتماء بأحد البيوت.
الأرض طينية والمطر يحولها إلي طين رخو يصعب الحركة فيه.
عادت المجموعة كلها وكان ذلك حدثا سارا. صلينا الظهر في القرية ثم تحركنا في مجموعتين
وكنت مع المجموعة الأخيرة مع ثلاثة من العرب. تحركنا تحت أمطار خفيفة وسط حقول دارا
الجرداء الموحلة والمليئة بالبرك المتكونة من مياة المطر. كانت رحلة عسيرة ولكن أسوأ ما
فيها أنه عند إقتراتبنا من الجبل الذي نقيم فوقه كانت آخر منطقة منبسطة تحتوى علي حقل ألغام
بثه الكومندان غنمكه لسبب لم أفهمه إطلاقا، رغم أنه شرح لي طويلا وجهة نظره ولم اقتنع
بالمرة بأنه كان هناك سبب حقيقي لزرع حقل ألغام في منطقة لا تواجه محاورالتقدم التي يتوقع
أن يأتي منها العدو. بل علي العكس تقع علي طريق المجاهدين إذا حاولوا الإتصال بالمراكز
المتواجدة علي ميسرتهم.
الطريف في الأمر أننا إكتشفنا أننا في وسط هذا الحقل تماما ونحن غائصون في الطين إلي
الركب. توقفنا عن الحركة ونظر بعضنا إلي بعض متسائلين السؤال التاريخي: ماالعمل؟.
المطر ينهمر والأرض تحتنا ملغومة وتشبة الرمال المتحركة التى تبلع مافوقها، وطريق
المسير الحقيقي يبعد عنا حوالي خمسة عشر مترا.
توصلنا إلي حل عبقري وهو: أن نواصل المسير حتى الطريق مفترضين أننا لاندري شيئا عن
الألغام. ولما كنت وقتها في مقدمة الركب فقد حاول صديقي أبو جهاد أن يقول شيئا مطمئنا
حيث أنني خط دفاعه الأول، وأنه سيضع قدمه حيث وضعت قدمي سابقا، وطالما أنني لم أطير
في الهواء ممزقا إلي قطع صغيرة، قال صديقي. توكل علي الله إن الأرض رخوة جدا
وإذا وضعت قدمك فوق أحد الألغام فإنه سوف يغوص بعيدا ولن ينفجر .. ثم حاول صديقي أن
يضحك. لم يكن أمامي حلا آخر إلا أن أواصل المسير متظاهرا بأنني إقتنعت بكلامه، فسوف
تبرهن نظريته عن نفسها خلال دقائق معدودة.
لقد عبرت بدون أن يحدث شيئ وكذلك فعل أبوجهاد وصديقنا الثالث. أن نظريته صحيحة
رغم أنني لازلت غيرمقتنع بها.
وصلنا غرفتنا فوق الجبل ونحن مبللون تماما، وقد غرقت ملابسنا بالطين حتى صدورنا بدلنا
ملابسنا بسرعة. ولكن أحداث ذلك اليوم المتميز بالطين لم تنته عند ذلك الحد فقد لحقته ليلة
لاتقل (طينا) . فوابل المطر غزير وقوى، ونفذ الماء من سقف الغرفة كما ينفذ من الغربال.
وبالكاد يجد أحدنا بقعة جافة كي يجلس فيها وهكذا قضينا الليل ونحن نائمون جلوسا وقد هدنا
الإرهاق وأحداث ذلك اليوم (المطين) .