عدة طلقات وأن يتعلم على المدفع. وبالفعل سمحوا له بذلك لفرط فرحتهم بوصول الأطفال إليهم
حتى ذلك المكان الخطير.
عبدالرحمن أطلق هو الآخر من نفس المدفع، فلم يكن ليسمح أن يتفوق عليه أخاه الأكبر.
تحركنا فوق الجبل ووقف أحد المجاهدين يشير لنا على مواقع العدو القريبة من حافة الوادي.
طالبته بالإحتراس في حركته ولكنه ضحك وأشار بيده مستهينًا بالعدو وإستمر في الشرح حتى
وصلتنا قذيفة دبابة قريبًا مّنا. فإختطفت عبدالرحمن وأسرعت بالإنحدار إلى الجانب الآخر من
الجبل. إستمر القصف ونحن نتناوب حمل الغلام حتى وصلنا ونحن نعاني من خدوش والتواءات
فى الأرجل، ولكن، وذلك العجيب، كان عبدالرحمن في غاية السعادة لتلك المغامرة التي ما
زال يذكرها حتى اليوم، ولم يكن أخوه خالد أقل سعادة وهو الذي يطير فرحًا إذا حدث أي
شيء غير عادي، إنزعج منه الآخرون.
فوق جبال ْليجاه وقت الضحى، جلسنا مع الشيخ جلال الدين فوق قمة أحد الجبال
المشرفة على الوادي.
كان شهر رمضان في أيامه الأولى. وحقاني في إجتماع مع عدد من قادته. تركناه حتى يفرغ من
محادثة رجاله وجلسنا نتناوب النظر إلى وادي خوست بمنظار مقرب كنت أمتلكه وكان فريدًا
من نوعه وقتها. فالمناظير المقربة وأجهزة الإتصال اللاسلكي الصغيرة كانت قليلة جدًا وسيئة
النوعية. أحد المتبرعين أرسل منظارًا فلكيًا!! وجدناه فوق الجبل، حاولنا إستخدامه فوجدناه
لا يصلح لشيء، أوصيت بإرجاعه إلى الإمارات من حيث أتى.
حلقت طائرة ضخمة تطير على إرتفاع منخفض فوق الوادي كي تهبط في مطار المدينة 'الذي
لا نراه من موقعنا، و لم تلبث أن جاءت طائرة أخرى وهبطت، أصابتني الدهشة، كيف تستطيع
الطائرات أن تهبط هكذا بحرية في المطار؟. سألت الشيخ حقاني هذا السؤال بعد ذلك بدقائق.
فقال بأن القوات الحكومية قد سيطرت على جبل تورغار منذ شتاء العام الماضي بهدف تأمين
المطار من هاونات المجاهدين. فذكرت له أن الصواريخ الجديدة مداها كبير (9 كيلومتر)
ويمكنها إصابة المطار حتى لو كان تورغار مع الحكومة، وتساءلت لماذا إذن لا تغلقوا المطار؟.
وبمهارة فائقة رد الشيخ بجدية: ولماذا لا تغلقونه أنتم؟.
لقد أثرت تلك الكلمة إلى حدٍ كبير في (مستقبلي العسكري!!) فى أفغانستان، ولم أدرك ساعتها
عمق ذلك التأثير، فقط قبل نهاية الحرب فهمت إلى أي درجة كانت تلك الكلمة حساسة.
وثبتت في ذهني معادلة بسيطة، أدركت عمليًا أنها صحيحة، هذه المعادلة تقول: إذا أغلقنا
المطار إستطعنا فتح خوست، وإذا فتحنا خوست إستطعنا فتح كابول. كان ذلك هو ما حدث في
السنوات التالية.