إلى الأمام .. بصعوبة جهزنا البطاريات لاستخدامها في إطلاق الصاروخ. في الثانية عشرة
والنصف هبطت طائرة نقل كبيرة إلى المطار، أطلق عبدالرحمن الصاروخ، وفي التو واللحظة
وصلتنا قذائف العدو من جميع مواقعة الأمامية حتى أننا لم نستطع متابعة الصاروخ ولم ندري
ماذا فعل.
ولمدة نصف ساعة لم يستطع أحدنا أن يرفع رأسه أو حتى النظر إلى من بجانبه. كل أنواع
الأسلحة كانت تنهمر فوق رؤوسنا بما في ذلك قذائف الدبابة من فوق جبل تورغار.
أبوحفص كان محتميًا بصخرة سوداء ضخمة على رأس الجبل تمامًا .. كنت وعبدالرحمن في
ظل شجرة وتحت مرتفع صخري وكّنا منبطحين تمامًا بين الصخور .. وفجأة دوي إنفجار
ضخم عند الصخرة السوداء وتناثرت الأحجار فوقنا رفعنا رؤوسنا فإذا أبوحفص يجري منحنيًا
قادمًا نحونا وهو يضحك قائلا: (كانت فوق رأسي تمامًا .. لم أعد أسمع شيئًا) .. ثم إنبطح إلى
جانبنا .. ولم يكد يفعل حتى كانت طائرة هيلوكبتر فوق رأسنا تمامًا .. فتوقفنا عن التنفس ..
وزدنا إلتصاقًا بالأحجار وقربًا من الشجرة وسط الأعشاب .. إستمرت الهيلوكبتر تراقب القمة
التي نحن عليها عدة دقائق، ولما لم تلاحظ أي حركة على القمة، واصلت الطيران نحو عمق
الجبال حيث مراكز المجاهدين المعروفة كي تفرغ نيرانها هناك. أخذنا نفسًا عميقًا ... وبدأنا
الكلام والضحك رغم أن قصف المدافع علينا لم يتوقف ... تيقنت وقتها أن الهيلوكبتر أش د
بشاعة من كل شئ وهذا إكتشاف قديم توصلت إليه منذ عام 1979
بعد دقائق، رجعت إلينا الهيلوكبتر لتواصل النظر لفترة أخرى ثم تعود خائبة نحو المطار ...
شعرت بشجاعة عجيبة ... وصحت بإخوانني:(ما أسهل مقاومة الهيلوكبتر .. فقط لا تدعها تراك
ثم إفعل ما بدا لك)... خّفت رمايات العدو وأصبحت متق ّ طعة ... وزحفت على مناطق مجاورة
وعلى المدقات .... إعتبرنا أنفسنا قد نجونا بمعجزة .... لا ندري ماذا حدث في المطار ... الذي
لا شك فيه أ ن العدو في غاية الإرتباك والإنزعاج .... فالمطار يقصف في أوقات مختلفة
من أماكن مختلفة .. ولم يشاهد العدو من مواقع ترصده الكثيرة أية حركة في المنطقة.
والهيلوكبتر فقدث قيمتها ولم تعد تجد هدفًا تقصفه بنيرانها ... وأصبح منظرها وهي تائهة في
الفضاء يثير الشفقة والسخرية وأطلقنا عليها في نهاية الأمر إسمًا يليق بها فقد أسميناها(عربة
البطاطا)تيمنًا بإسم العربات الخشبية التي تحمل أفران الصفيح والمخصصة لإنضاج ثمار
البطاطا لجماهير الشعب الكادح.
عدة حوادث مع الهيلوكبتر تكررت معنا ساهمت جميعًا في إسقاط هيبتها من نفوسنا .. كانت
عملياتنا مستمرة تحت أنف تلك الطائرات وهي لا تستطيع منعنا أو حتى رؤيتنا، حتى أنني
أخبرت عبدالرحمن بنبؤة تحققت بعد فترة قصيرة قلت له يوما (طيارى الهيلوكبتر) هؤلاء
سوف يعاقبهم رؤسائهم بشدة وربما تعرضوا للإعدام .. تصرفاتهم أصبحت أشد عصبية وعملهم