ظهرت نتيجة الصبر مؤخرًا وها هي بطة سمينة تهبط متثاقلة على مدرج المطار ..
أطلقنا ثلاث طلقات إشارة لعبدالرحمن .. فجذب الخيط ولكنه إشتبك بأغصان الشجر وقطع!!.
لم نفهم ماذا حدث إلى أن شاهدنا عبدالرحمن يجري كالقذيفة صوب مكان الصواريخ .. وبينما
هو منهمك في تجهيز الأسلاك والبطاريات هبطت (بطة) أخرى من نفس النوع .. إنطلق صاروخ
عبدالرحمن .. والمطار مك دس بشكل مريع، كانت فرصتنا لا تعوض .. أطلقنا له ثلاث رصاصات
أخرى حتى يطلق الصاروخ الآخر .. لكنه لم ينتبه فقد كان عائدًا كالصاروخ إلى مكانه الأول ..
ثم تنبه لطلقاتنا التالية .. وصاح بأعلى صوته مستفسرًا ... فأ ّ كدنا له الأمر .. أن أطلق الصاروخ
الآخر .. فعاد مرة أخرى كالقذيفة في إتجاه الصواريخ .. قذائف الهاون بدأت تمطر من حوله
ولكنه لم يكن ليتراجع مهما كانت الظروف .. فهذا هو التحدي الذي فطر عليه ..
أطلق الصاروخ الثاني ثم عاد سيرًا هذه المرة نحو مكانه الأصلي ... رغم زيادة القصف حوله
فقد أنهكه الجري .. أو أنه شعر بالرضا لما قام به فلم يعد يبالي بجنون القذائف من حوله.
أما ما حدث في المطار فقد كان مهزلة ... إرتفعت سحب الأتربة وتناثرت الطائرات كلها دفعة
واحدة كل واحدة في إتجاه .. ثم بدأت في الإقلاع كلما خلا المدرج تقدمت واحدة للإقلاع .. رغم
أن الأتربة تحجب الرؤية تمامًا عن الطيار ولكنه الرعب الهائل الذي إجتاح كل شئ هناك ...
سيارات تجري على طرفى المدرج .. ثم عربة إسعاف كبيرة تدخل من الطرف الشرقي تتبعها
سيارة إطفاء حمراء ضخمة ... كنت أشاهد ما يحدث مع أبوحفص ونحن نكبر بأعلى أصواتنا
فلحق عبدالرحمن بنا على سطح جبل منان .. فلم يعد لديه ما يفعله هناك .. وسألنا عما حدث ..
قلنا له أن القوم في مصيبة كبيرة إسعاف ومطافئ وطائرات وسيارات كل شئ يموج في كل
شئ ولكن لا نعلم مدى الخسائر عندهم. صاح عبدالرحمن صيحته الشهيرة:(حلاوة ياأبو
إسماعين حلاوة).. في خلال نصف ساعة عاد المطار كالعرجون القديم .. لا أثر للحياة فيه
وظننا أنهم هجروه إلى الأبد .. الموقف في طرفنا مختلف .. وصلت عدة طائرات هيلوكبتر كي
تحيل المنطقة إلى جحيم ... وتقصف كل مكان ما عدا المكان الذي نحن فيه، ساعدتها المدفعية
ودبابة توغار وهاونات الجبال .. كان لدينا مشهدًا مصغرًا ليوم القيامة ... حامت الهيلوكبتر
قريبًا مّنا ولكنها قصفت الوادي خلفنا. إن ما حدث اليوم فاق ما حدث في (الليلة الكبيرة) .
عندما هدأ القصف نزلنا بسرعة وتوجهنا إلى مقهى السعادة. عند العصر هبطت حوالي ثمان
طائرات كبيرة .. لقد أدرك العدو مرة أخرى محدودية قدراتنا .. بد ً لا من صاروخ واحد أصبح
في قدرتنا إطلاق صاروخين .. وحيث أننا قد أطلقناهما فها هوالعدو ينزل ثمان طائرات مرة
واحدة .. بدون أن نستطيع منعه .. لا بد أن نطور عملنا ونزيد إمكانيات قصف المطار .. هكذا
كان عزمنا في ذلك اليوم.