الخلابة؛ يلوح لنا أنها فتنة مبالغ فيها، وأن شيئًا من الملاحظة البريئة، وقليلًا من الاتزان في الوصف والرواية، وطرح المؤثرات والاعتبارات الخاصة مما يعاون على عرض صور أصدق وأدق من تلك الصور الوردية التي عرفناها وألفناها.
ومهما يكن في هذه الصور القديمة من صدق؛ ومهما يكن لهذه الفتنة القديمة من مبررات، فأنا نقول لأولئك الذين يرون العالم كله في فرنسا وفي باريس: إن الأمور قد تغيرت أعظم تغير في فرنسا وفي باريس.
وكاتب هذه السطور سائح متجول يرى ويلاحظ، ولكنه لا يدعي الوصول إلى المجهول والخارق، وإنما يلاحظ ويقدر ما تهدي إليه المشاهدة والتجارب بعيدًا عن كل اعتبار وهوى.
لم تقدم فرنسا أية تسهيلات للسياحة سواء في مسألة النقد أو السكك الحديدية أو الفنادق أو غيرها كما فعلت ألمانيا وإيطاليا، وما زالت تعتمد على جاذبيتها القديمة؛ غير أن فرنسا تخدع اليوم في قيمة هذه الجاذبية؛ وقد انحط موسم السياحة في فرنسا انحطاطًا عظيمًا، ولم تعد باريس كما كانت في الماضي تعج بعشرات الألوف من الأجانب ولا سيما الأمريكيين والإنكليز؛ وأهم عامل في هذا التحول هو ارتفاع قيمة الفرنك الفرنسي بالنسبة لنقد البلاد التي خرجت عن معيار الذهب. فالأمريكي أو الإنكليزي أو المصري الذي يزور فرنسا يفقد نحو أربعين في المائة من قيمة نقده؛ أضف إلى ذلك الغلاء الفاحش الذي يغمر كل شيء في فرنسا؛ ففي الفندق والمطعم والمقهى، وفي الملاهي والتنقل وكل ما يتصل بالحياة اليومية، نشعر بوطأة هذا الغلاء المرهق، وتشعر كأن النقد يذوب بين يديك سراعًا.
ولنضرب أمثلة مادية؛ فالغرفة البسيطة في فندق متوسط تكلف في اليوم من 25 إلى 40 فرنكًا (من 33 إلى 52 قرشًا) ووجبة الطعام في مطعم متوسط تكلف من 15 - 25 فرنكًا (20 - 33 قرشًا) هذا عدا الخدمة وهي من 10 إلى 15 في المائة؛ وثمن البيضة الواحدة في المقهى أو حيث تتناول إفطارك فرنكان ونصف (3 , 5 قروش) وثمن الواحدة من الموز أو التفاح أو الخوخ شراء يتراوح بين فرنك ونصف وثلاثة حسب النوع والحجم؛ وأما في المقهى فما خلا القهوة والنبيذ والكونياك والبيرة، فإن أثمان المشروبات الأجنبية تبلغ حدودًا تزهدك دائمًا في طلبها؛ والسجائر الفرنسية رخيصة ولكنها سخيفة لا يقبلها