أعظم حظًا من مؤلفات سابقه فقد باد معظمها ولم يبق منها إلا شذرات متفرقة. بيد أن روايته الفلسفية المشهورة (حي بن يقظان) التي وصلت إلينا تشتمل على مذهبه عامة في أسلوب جذاب وخيال بديع، وتعد هذه الرواية من أطرف ما خلف فلاسفة الإسلام، وقد ترجمت إلى لغات عدة، وكانت في غالب الظن نموذجًا نسج على منواله روبنسون كروزو. وابن طفيل يحاول أن يثبت فيها أن القوى الإنسانية تستطيع وحدها الاتصال بالله. فقد تصور شخصًا نشأ منعزلًا عن الناس ولم يتأثر بالجمعية قط ومع هذا تمكن بعقله الفردي إدراك الحقائق الكونية والتدرج منها إلى حقيقة الحقائق التي أفاضت عليه بالنور والمعرفة، وهذا الشخص هو (حي بن يقظان) الذي ولد في جزيرة قرب خط الاستواء ولم ير أبًا ولا أمًا، وإنما منحته الطبيعة غزالة تولت إرضاعه وتغذيته. ولم يكد يشب ويترعرع حتى اتجه نظره إلى ما حوله، فبحث في الظواهر الكونية وسر تغيرها، وانتهى إلى أن وراءها أسبابًا خفية تتصرف فيها وصورًا تشكلها، وهذه الصور صادرة عن كائن قديم يسميه الفلاسفة العقل الفعال. ولم يزل يبحث ويعلل حتى أدرك أن سعادة الإنسان وشقاءه راجعان إلى قربه من ربه وبعده عنه. ووسيلة القرب والصعود إلى عالم النور والملائكة هي النظر والتأمل. سواء أكان هذا الفرض مقبولًا أم مرفوضًا لدى علماء الاجتماع المحدثين فإنه يبين لنا أولًا كيف تأثر ابن طفيل بفيلسوف الأندلس الأول ابن باجة، فأن (حي بن يقظان) يحمل في ثناياه كثيرًا من خصائص (التوحيد) الذي أشرنا إليه من قبل. وثانيًا في لغة (حي) الخيالية وصوره المجازية ما يعبر تعبيرًا صادقًا عن نظريات الفارابي في السعادة والاتصال.
أما ابن رشد فلم ينح هذا النحو الخيالي الفرضي، بل درس مشكلة الاتصال بالعقل الفعال دراسة علمية منظمة، مبينًا أن هذا الاتصال في ذاته لا يتنافى مع أصول علم النفس المعروفة. وقد وضع في هذا الموضوع ثلاث رسائل مستقلة احتفظت لنا المصادر العبرية باثنتين منها. وهو يرى أن الطفل يولد وفيه استعداد لتقبل المعلومات العامة، فإذا ما أخذ في الدراسة والتعلم تحول هذا الاستعداد إلى عقل بالفعل، ولا يزال هذا العقل ينمو ويرقى حتى يتصل بالعقول المفارقة ويستمد منها الفيض والإلهام، وهذا هو الكمال الأسمى الذي نطمح إليه جميعًا؛ والطريق الموصلة إليه هي تنمية المعلومات وترقية المدارك الإنسانية، فالعلم