يتفاخران بقتل جرذ، ومنها يقول:
وأيكما كان من خلفه؟ ... فإن به عضة في الذنَب
وقول بشار وقد تفاخر أمامه رجل بأنه شاعر من نسل شعراء: (إذن أنت من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا) .
ويشترك الأدبان في ضرب من الفكاهة هو هجاء المرء نفسه وضحكه من عيوبه. على أنه في كلا الأدبين غرض من القول متكلف، يُطلب به التظرف ويعوزه الصدق والعمق. فالانحناء على النفس بالتثريب ليس خلقًا في الإنسان بله الأديب، والذي يتصنع نقد نفسه لا يضع يده على مغامزه وعوراته الصحيحة، ولا يسطر لنفسه إلا مدحًا بما يشبه الذم، ولو رماه غيره بما يرمي به نفسه طلبًا للظرف لثار به وأنكر مزاعمه أشد إنكار.
ولما كانت المرأة الإنجليزية أكثر بروزًا في المجتمع والأدب من المرأة العربية، فقد نالت دونها حظًا عظيمًا من مداعبة الأدباء الذين أوسعوا غرائزها ومتناقضات أفعالها درسًا وتصويرًا. ومن أبرع من كتبوا في ذلك (بوب) الذي نظم قصيدة طويلة على طراز الملاحم الكلاسية أودعها وصفًا دقيقًا لأحوال فتاة جعلها نموذج المرأة في مجتمعِه، من احتفالها بالأزياء وتذبذبها بين المعجبين بها، إلى كل صغيرة وكبيرة في حياتها المنزلية والخارجية في أسلوب متهكم شائق.
ومن الفكاهات ما قوامه التلاعب بالألفاظ المتشابهة في النطق أو الكتابة؛ وقد كان هذا العبث اللفظي شائعًا على عهد شكسبير الذي ضرب فيه بسهم، ثم أهمل بعد ذلك في الإنجليزية واستثقل. مّا في العربية - حيث كانت للألفاظ عند الأدباء دائمًا مكانة عالية - فظل هذا الضرب من التفكه مألوفًا. فأبو نواس يوافق مدعيًا للنسبة العربية على انتمائه إلى طي، ولكن مع إضافة نون وباء في أول الكلمة. ويقول في بخيل:
وما خبزه إلا كآوى يُرَى ابنه ... ولم يُرَ آوى في حزون ولا سهل
وقد ازدهرت الفكاهة في الشعر العربي في صدر العصر العباسي، وبرز في مضمارها في أجيال متتالية طبقاتٌ على رأسها بشار فأبو نواس فدعبل فابن الرومي؛ وتمتاز في شعر الأوَّلَيْن بالاستهتار، وفي شعر الثاني بالصرامة ولذع السخرية، وفي شعر الأخير ببراعة التصوير. وازدهرت الفكاهة في الشعر الإنجليزي في العهد الكلاسي في أواخر القرن