فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 14422 من 65521

وسطها الحبات اللؤلؤية، وكأنها قطع صغيرة من الماس تتقاطر من ثقوب النافورة وتتساقط على صفحة الماء رذاذًا فتبعث نغمة خافتة ووسوسة شجية. لم يصغ موفق إلى الموسيقى العذبة التي كانت تنبعث من لحنها لأن نفسه كانت بعيدة، بعيدة جدًا عن هذا الحوض الصغير الذي كانت أنامله تعبث بمائه وتلهو به.

لقد ذكر موفق في هذه اللحظة أيامًا ولّت وليالي انقضت كان خلالها يتمتع بأهنأ اللذات والمسرات، إذ كان النعيم يكسو ساعاتها ولحظاتها بأثواب السعادة الزاهية الألوان المختلفة الأشكال، ويبسط عليها ظلال الهناء والمرح والسرور، فكان كل من هذه الظلال الثلاثة يرشده إلى جنات وفراديس تجري من تحتها الأنهار، وتغرد على أفنانها الأطيار. . . فكان موفق يتمتع ويتلذذ، وكان يرشف كؤوس اللذة صافية حتى الثمالة، وكان يقطف ما حلا له من الزهر وما طاب من الثمر، ثم يعرض عن هذه وتلك حينما يتضح له أن ذبولًا قد ذهب بنضرة الزهر، أو أن مرارة قد مازجت حلاوة الثمرة، حتى شاع أمره بين الناس وذاع بين جميع البيئات، فدعوه (دون جوان لبنان) لما عرف عنه من حبه للنساء وإغرائه إياهن بشتى الوسائل، وإيقاعهن في حبائله بمختلف الطرق والأساليب.

وكان موفق يسر بهذا اللقب أما سرور؛ وهل من شيء يعتز به كل دون جوان في الحياة أكثر من اعتزازه بالحظوة الرفيعة التي يلاقيها عند النساء؟ فكان يذيع هذا النبأ الجديد هنا وهناك ويطلع الذين لم يعلموا بأمره أنه كان يحلم بهذا اللقب منذ حداثته، بل منذ كان صبيًا يلعب والصبية الصغار من أبناء الحي. وكان كثيرًا ما يقص عليهم حوادث وحكايات جرت له وهو مازال في الثامنة عشرة من عمره، وكم من مغامرات غامرها، وكم من نسوة ساذجات كان يغريهن بالكلمات المعسولة والمجاملات اللطيفة ليجذبهن إليه ويوقعهن في شباكه؛ ثم ليعرض عنهن ويوليهن ظهره بعد أن ينال منهن بغيته ويتركهن وشأنهن ويذهب ليبحث عن اللذة عند غيرهن.

ولما كبر وصار رجلًا جعله أبوه مديرًا للمتجر الكبير الذي كان يعد من أشهر المحال التجارية في بيروت، وقسم الأعمال الأخرى على اخوته الثلاثة الذين يصغرونه ببضع سنين، وترك له حرية التصرف في الدخل الذي كان ينهال على هذا المحل كأنه النهر المتدفق يجرف في طريقه كل الأشياء ولا يبقي منها شيئًا واحدًا. . . أخذ موفق ينفق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت