كانت فكرة الخلود أول ما أخرجته وألقيته من الأوحال التي تراكمت على نفسي وحرمتني نعمة الشعور بالحياة - كما ينبغي أن يكون الشعور بها - والارتياح إليها. فقد كنت أستسخف الناس وأستحمقهم وأستقل عقولهم وأحتقر عواطفهم وأراهم دوني في كل شيء، ولا أكاد أطيق منها معارضة أو مخالفة يسيرة أو ملاحظة بريئة يحسن فيها القصد ولا تسوء النية؛ وكنت أترفع عنهم وأحس أني متواضع جدًا حين أجالس أحدهم؛ وكان يزيد شعوري بالتواضع ويضاعفه أن أراني أكلمهم كما يتكلمون وأجاريهم في أحاديثهم الفارغة وثرثرتهم الجوفاء فأرضى عن نفسي كل الرضى وأقول لها في تسويغ هذا التواضع: (وماذا عسى أن يصنع المبصر بين العميان؟) وما أكثر الأعمال التي تركتها وفقدت رزقي منها لأني لم أطق من صاحبها الذي كنت أعمل معه أن يكلم رجلًا خالدًا مثلي كأنه من أندادي - أو أن أسمع كلامًا يشعرني أنه لا يفطن إلى قيمة من هو معه ولا يدرك أنه خالد وأنه حقيق بالتقديس وجدير بأن يركع أمامه على ركبتيه. ولقد خاصمت مرة رجلًا لأنه لم يأخذ برأيي ولم يصدر عن مشورتي، فعددت منه هذا تطاولًا على مقامي؛ وغضبت على آخر لأنه نظر إلي نظرة تبينت فيها الحسد كان ما وهبنيه الله يمكن أن يطمع في مثله طامع. والويل لمن كان يحدثني ولا يحرص على أن تكون عينه في عيني. . . إذن هو يتعمد أن يفهمني أنه يستخف بي وأنا الذي يعي الزمان مكان نده.
وبعد أن أخرجت الخلود وأفرغت القفة من طينه أحسست أني حططت عن صدري جبلًا فقلت: (يا سلام. . . أما إنها لراحة كنت محرومًا منها. . . والله لقد كنت مغفلًا. . . وما الذي أغراني بوضع هذا الجبل كله على صدري. . . وكيف بالله كنت أرجو أن أتنفس. . . أعوذ بالله. . . والحمد لله) .
وبعد أن أخذت حظي من الراحة قلت لنفسي: (إذن ما الرأي في هذا الأدب الذي نكبني بفكرة الخلود وزين لي هذه المصيبة التي رزأت بها نفسي؟(وفكرت ثم قلت) ما دمنا قد خلصنا من مصيبة الخلود، فالأدب أولا يكون وسيلة للتنفيس عن النفس والتخفيف عنها وإراحتها من ثقل العواطف والخوالج، وهذا هو الذي يسميه غيري فنًا ذاتيًا - وقد كنت مثلهم أفعل ذلك - وأسميه أنا سلوى شخصية، والمسألة ميل واستعداد. . فهذا يجد ما يسليه ويرفه عن في الألعاب الرياضية، وذاك يلتمس الترفيه في القمار، وثالث يجد التسرية في