يبيعك منه شيئًا ولو بذلت له مال قارون إلا إذا تقدمت إليه في تواضع ظاهر وقلت له إني أريد (لوزًا) بقرش. ولا فرق عندي - الآن - بين اعتداد الأديب بأدبه إلى ذلك الحد المبالغ فيه وبين تجبر بائع الفول وتحتيمه عليك أن تسمى فوله لوزًا لظنه أن تسميته لوزًا أبلغ في التبجيل وأدل على التوقير. وما يطلب بائع الفول في الحقيقة أن توقر الفول وإنما يطلب أن توقره هو، ولكنه يشعر أن طلب التوقير لشخصه مباشرة قد لا يلقى الارتياح، فهو يجعل من الفول أداة لما يشتهي ويروم ولا يفطن إلى أن الناس يجارونه ويضحكون منه ويتفكهون فيما بينهم بالتنكيت عليه لأنه لا يرى الضحك ولا يسمع النكت، وإنما يرى مظاهر الاحترام المتكلف ويسمع فوله يدعى لوزًا. وليست النعامة وحدها هي التي تستطيع أن تغالط نفسها وتتجاهل ما تغمض عينها عنه فأننا جميعًا مثلها وان كنا لغرورنا نضرب بها المثل في الحماقة. وكذلك الأديب الذي يطلب منك الاحترام والتوقير لخلوده إنما يطلب هذا لشخصه لا لأدبه؛ ولو أمكن أن يهتدي إلى وسيلة أخرى له ما يشتهى وما تتعلق به نفسه من الإجلال والإكبار غير الأدب لما قصر في اتخاذها، ولكان الأرجح - إذا وجدها أجدى عليها - أن يتساهل فيما يجب للأدب من الإكبار، بل لرأيته يدعي أنه إنما يكتب أو ينظم أحيانًا للتسلية لا لمنافسة الأدباء المحترفين. وكل إنسان يشتهي المجد أو التمجيد من الطريق الذي يراه أوفق له ويرى نفسه أقدر على انتهاجه ولا فرق من هذه الناحية بين الأدب وبين رفع الأثقال والحرب والموسيقى والسياسة وغير ذلك، فإنها جميعًا وسائل يستعين بها الإنسان على ما يريد من الفوز بالتمجيد الذي تصبو إليه نفسه.
وقد وجدت وأنا أنقب وأحتفر حجارة كثيرة تفتتت من صخرة الخلود الضخمة زحزحتها وأخرجتها ورميتها مثل النبوغ والعبقرية وما أشبه ذلك فألقيتها جميعًا، فشعرت بالراحة وأحسست أن ما كان يسد متنفسات روحي قد زال والحمد لله على التوفيق؛ ورأيتني قد رجعت إنسانًا بعد أن كنت دفترًا أو كتابًا كالكتب التي عندي، وكل ما كان ينقصني هو أن أجد من يغللني أو يجلدني ليتسنى أن أوضع على رف كبقية الكتب وعلى ظهري كما على ظهورها (كشكول المازني) . والواقع أني لم أكن إلا كشكولًا فيه خليط مضطرب غير متسق من الآراء المستمدة أو المولدة من هنا وههنا فصرت بعد التنقية الدقيقة التي أجريتها في نفسي إنسانًا يشعر بالحياة التي وهبها ويلتذها وينعم بها ويحرص عليها كما ينبغي أن يفعل