الدين، تجد أمامها كتبًا أخرى كتبت في الموضوعات نفسها للقضاء على الأثر الذي أنتجه النوع الأول من الكتب؛ وبهذه الطريقة نجد تصحيحًا لشر هذه، في الخير الذي تنشره تلك. وجمهرة الناس الذين لهم حق الخيار في الأخذ بما يرون لهم من الآراء، يستطيعون الوصول إلى الحقيقة بفضل جهودهم العقلية الخاصة. وبهذه المناسبة أذكر كلمة حكيمة للكاتب الفرنسي أناتول فرانس، فقد دخلت عليه في صباح أحد الأيام سيدة، فراعها كثرة ما رأت عنده من الكتب والمجلدات، وقالت له في دهشة شديدة: أقرأت يا سيدي الأستاذ هذه الكتب جميعًا؟ فقال نعم، ومن أجل هذا لا أعرف شيئًا. فازداد عجبها من هذا الجواب الغريب وسألته الإفصاح فقال: كل كتاب من هذه الكتب ينقض الآخر ويهدمه. ولهذا السبب لا يخرج القارئ منها جميعًا إلا بفائدة واحدة، هي أن يتعلم كيف يفكر
ولنفرض - كما هو الواقع - أن مؤخرًا نشر كتابًا لحمته الهوى وسداه الحقد على شعب أو ملك أو زعيم ما، ففي هذه الحال يكتب مؤرخ آخر في الموضوع نفسه كتابًا يدافع به عن الشعب أو الملك أو الزعيم الذي حمل عليه المؤرخ الأول، ثم يقوم مؤرخ ثالث بجمع الوثائق والأدلة الصحيحة ويثبت الوقائع والآراء في دقة تاريخية، وهكذا. فإن كان المؤرخ الأول قد قصد إلى الشر، فان نجاحه لا يكون إلا في حدود ضعيفة وقتية لا تلبث أن تزول. وكذلك الحال في ميدان الفلسفة، فإذًا دعاك حكيم إلى الركود وعدم الاكتراث مثلًا، أظهر لك حكيم آخر بالمنطق ضرورة الإرادة والعزم والحركة.
فمهما تكن قوة أصحاب المذاهب والمفكرين، فليس لهم علينا إلا سلطان نسبي، لأننا نظل سادة أنفسنا في قبول مبادئهم ومذاهبهم أو رفضها، ونجد في كتابات أخرى السلاح الذي ندفع به عن أنفسنا هجمات هؤلاء
أما حالنا مع الشاعر فعلى النقيض من ذلك، لأنه السيد المطلق في الميدان الذي اختاره لنفسه. والشاعر هنا هو الذي يخلق من عبقريته الخاصة عالكمًا من الحوادث والانفعالات والصور ينفث فيه كل حيوية الأشياء الحقيقية، وإذن فالشاعر هو الروائي أو المؤلف التمثيلي، أو الموسيقار، أو مبتكر الحكايات الخرافية أو مصنف الملاحم أو مبتدع الكلام الموزون المقفى
وبفضل هذه الموهبة، موهبة خلق عالم مستقل، يكون الشاعر فخمًا عظيمًا أو خطرًا مخيفًا.