هذه النظرية على ما فيها من بساطة في الظاهر تحتاج في إثبات حقائقها إلى تأملات تاريخية عميقة، ينفذ الباحث من طريقها إلى أبعد غور من الأعماق التي ينزل إليها قارئ التاريخ العادي. فأن وراء الحوادث الظاهرة في صفحات التاريخ كانقراض الأمم المالكة، أو فتوح البلاد، أو اندحار الجيوش وانتصارها، أو قيام الحكومات المختلفة وسقوطها، أو تسلط الأفراد على الأمم وإطراح الأمم لسلطة الأفراد، حقائق أخرى تصدر عن صفات نفسية تختفي من وراء الحوادث الظاهرة، فتكون بمثابة القوة المحركة أو الطاقة في المادة، فهي خفية بأعيانها، ظاهرة بآثارها. وهذه القوة إنما تمكن وتستخفي طوعًا لظروف خاصة، وتظهر وتستقوي على غيرها طوعًا لظروف أخرى، وهذه الظروف التي تمكن معها القوى المحركة للجماعات أو تظهر، ينبغي أن تكون موضوع كل من يكب على التأملات في الثقافات التقليدية لدرس مالها من أثر في كون هذه القوى أو ظهورها، بحسب ما يحيط بالجماعات من ظروف تبعدها عن ثقافتها التقليدية أو تقربها منها
أما إذا أردنا أن نستوثق من حقيقة هذه النظرية، فعلينا أن نرجع إلى التاريخ، علينا أن نرجع إلى أقرب تاريخ منا، أي إلى تاريخ العرب. فأن الأمة العربية سادت الدنيا عندما استمسكت بعرى ثقافتها التقليدية، وفقدت الدنيا عندما انحرفت عن الاسترشاد بثقافتها المأثورة. وكذلك كان شأن روما وشأن اليونان قبل العرب. أما الدورات التي انتابت الأمم متراوحة بين الاستعلاء حينًا والتَّنكُّس حينًا آخر، فما هي إلا دورات تقرأ فيها صورًا من التطور ترجع في حقيقتها إلى استمساك الأمم بثقافتها التقليدية حينًا، وتفريطها في ذلك حينًا آخر
فعلينا إذن أن نرسم لمستقبلنا خطة نتخذ فيها ثقافتنا التقليدية نبراسًا نستضئ به، وإلا فأنا سوف نظل نتخبط في الظلام فلا نستقر
حادثة:
قد تقرأ تاريخًا كاملا كتاريخ الإسكندر المقدوني وفتوحاته الكبيرة، وقد تستجلي في هذا التاريخ صورًا من شجاعة الرجل ومن إقدامه، وقد تجد في انتصار من انتصاراته سببًا للتأمل والعبرة؛ غير أن كل هذا لا يدلك على حقيقة الرجل قدر ما تدلك حادثة من الحوادث الصغيرة في حياته.