ومغمزًا لمباضعهم، إلا أن ذلك لا يمنع الأديب المنصف من أن يرى فيها للأدب الإنكليزي تعويضًا عادلًا لركوده وتغلب الموجة السياسية عليه في عهد الإحياء
لم ينظم ملتون هذه الملحمة المشهورة دفعة واحدة، ومن المؤكد أن ابتدأ نظمها بعد أن اعتزل السياسة، وبعد أن فقد بصره. ولقد أملى أبياتها على أكثر من كاتب واحد، يدل على ذلك نسخها الخطية الأصلية التي لا تزال محفوظة في مكتبة (كلية ترنتي) في (كمبردج) . وقد طبعت لأول مرة عام 1667 في عشرة أجزاء، ثم نقحت وزيد عليها جزءان آخران، وطبعت في المرة الثانية في اثني عشر جزءًا وذلك عام 1674. أما موضوعها فقد استمده من الكتاب المقدس، وأوحى إليه بمادتها الجزلة ذلك النزاع الخطير الذي قام في إنكلترا من اصطدام المبادئ الديمقراطية التي ترمي إلى رفع لواء حرية الشعب الدينية والسياسية بالمبادئ الملكية الأرستقراطية التي غايتها جعل شئون الأمة وحريتها في أيدي الملوك كالآلة الصماء يديرونها في لهوهم وعبثهم أنى شاءت لهم أنانيتهم وكيفما رغبت أهواؤهم. وإذ كان لا بد للأدب الحي من أن يصور المجتمع في سلمه وحربه، ويجاري الزمن في تقلبه وتطوره، فقد صور ملتون ذلك النزاع الخطير الذي خاض غماره في ملحمته هذه تصويرًا دقيقًا لا مزيد عليه
لقد كان الدين إذ ذاك مشتجر الآراء، ومصطرع البطانات، ومحور الخلاف بينها؛ وكان لا بد لمن أراد أن يكون مبرزًا في هذا الميدان الديني من أن يكون ملمًا بجميع النصوص الدينية، ولذلك أقبل الأدباء على الكتاب المقدس يتدارسونه وعلى الإنجيل يتدبرونه، طمعًا في الشهرة والفوز؛ وقد كان ملتون أبعدهم في ذلك غورًا وأكثرهم في الدرس مطالعة واجتهادًا يحفزه عليه سُعاره للشهرة، وحبه للجاه، وطموحه للسمو والمجد؛ ناهيك بتوقد فطنته، وطاعة ذهنه، وتوثب شاعريته، ولذا فلا عجب إذا رشحت دراساته للدين، وتغلغله في ثناياها بمثل ملحمة (الفردوس المفقود) التي اختلف الأدباء على تقديرها، وانقسموا إزاء تمجيدها شأن انقسامهم إزاء كل أمر خطير، إذ كانوا في ذلك بين منتقص ذي هوى لم يسلم من الغلو والإسراف، ومطنب في المديح لم يسلم من التحذلق والإغراق؛ وليس أدل على هذا من هذه الفقرات الموجزة التي نثبتها فيما يلي بإسنادها إلى أصحابها تاركين للقارئ حريته في تمييز غَثِّها من سمينها