وعند ذلك عاهدت نفسي وعاهدت الواجب أن أكون عندما يرجو المصريون والعراقيون من الظن الجميل. ولم يكد القطار يبرح محطة باب الحديد حتى أسلمت خيالي إلى مغريات الأحلام. ولما وصلت إلى بيروت رجاني بعض الأدباء أن أقيم أسبوعًا في ضيافة لبنان فأبيت وقلت كيف أتلبث في الطريق والواجب يدعوني إلى عيادة ليلى المريضة في العراق؟ وكذلك كان حالي حين وصلت إلى دمشق، فقد رجاني الأستاذ كرد علي والأستاذ عبد القادر المغربي أن أقيم مدة بالشام في ضيافة الأكرمين من أهل تلك البلاد، فأبيت وقلت كيف أتمهل في الطريق والهوى يدعوني إلى موافاة ليلى المريضة بالعراق!
ثم قضيت أربعًا وعشرين ساعة في الطريق من دمشق إلى بغداد. ولا تسلني كيف قضيت تلك الساعات الطوال، فقد كانت الساعة كألف سنة مما تعدون بسبب القلق على ليلى المريضة بالعراق
ولما وصلت ألقيت أثقالي في الفندق، ومضيت بسرعة البرق إلى وزير المعارف أتلقى تعليماته فيما يختص بذلك الروح العليل
ستمضي الشهور والسنون ولا أنسى كيف لقيت وزير المعارف في العراق، فقد بدا رجلًا شاعرًا لا يهمه غير الاطمئنان على ليلى المريضة بالعراق
وجلست فتحدثت معه في كثير من الشؤون، ولكنه لم يفتح الحديث عن ليلى، فأخذ مني العجب كل مأخذ، وخشيت أن تكون (قصة) ليلى قصة مخترعة، وأنني كنت مخطئًا حين صدقتها من كبار الأطفال!
وذهبت إلى دار المعلمين العالية فأعطاني المدير جدولًا يقصم الظهر، وهو دروس في الأدب وفقه اللغة وتفسير القرآن، وليس فيه أية إشارة إلى مداواة ليلى المريضة بالعراق. فتأكدت مرة ثانية أن قصة ليلى من اختراع الخصوم الألداء الذين أرادوا أن يستريحوا مني فزينوا لي الرحيل إلى العراق
ثم خطر بالبال خاطر طريف؛ فقد حدثتني النفس بأن مرض ليلى لا يهم أهل العراق، وإنما يهم المصريين؛ وإذن فلابد أن تكون المفوضية المصرية على بينة من هذه القضية. فأخذت عربة ومضيت إلى هناك فوجدت رجال المفوضية لا يعرفون شيئًا عن ليلى المريضة بالعراق، وأن هذه القصة من أوهام الشعراء