كالودق يخرج من بين السحاب، وكان مع ذاك أيضًا لا يشعر بتعب ولا يناله إعياء. . . وكان يسعد سعادة لم يكن يعرفها كلما سمع صوت ماريا يرن في فضاء البهو الكبير، فيرن جرسه الفضي في جوانحه، ويوقظ فيها أمانيه لتي كان يتصورها لياليه الخاليات ولا يظفر بتحقيقها
وأخيرًا عرف أنه الحب. . .
وكانت مفاجأة حلوة لروحه الصادية أن تروى أول ما تروى من هذه الكأس المترعة بمفاتن ماريا ذات الشعر الذهبي، والساقين الملفوفتين في بنفسج الأبنين. . . وكانت مفاجأة حلوة كذلك أن تتبرج الدنيا القبيحة هكذا فتصبح جميلة سافرة بسامة، بعد أن كانت عبوسًا قمطريرًا معتمة حين كان قلبه لا يعرف الحب. . . ويصبح كل ما حوله ضاحكًا يتأرج ويتبرج ويهتز كما تهتز الأعطاف بالبشر
ولكن ميشيل كان حييًا. . . وكان كلما هم بمحادثة ماريا عما يجيش من حبها في قلبه ارتبك وانعقد لسانه، والتوت الكلمات فكأنها من حديد لا يلين، وخفق قلبه وأزلزل، وهرب الدم من خديه، فينصرف حزينًا محسورًا. . . ولكن نظرة واحدة إلى شعر ماريا وساقيها كانت تعيد ابتهاجه، وترد صوابه، فيرضى بالصمت الذي لا يد له في غيره. . .
وظل حبه دفينًا في قلبه يشفه ويضنيه؛ وظل هو قانعًا راضيًا بأن يكون في جوار ماريا دائمًا. . . وفي ظلها الوارف أمسية من كل أسبوع؛ يحمل عنها أوزارها، ويقوم بكل ما يشفق عليها أن تؤديه من مشاق
وكأنما لحظ الخبيث فراري، الكهرباء التي تزلزل أركان ميشيل فأقسم ليكيدن له؛ وكان فراري فَتىً لَعَّابًا يجيد إلى درجة الخطورة إعمال عينيه وقسمات وجهه، ويتقن زخرفة الكلمات التي تقع عليها قلوب العذارى كما يقع الفراش في النيران. . . وكان هو الآخر يرى في ماريا غادة لم تخلق لهذا العناء، وكان يزن جمالها بعقله لا بقلبه. . . أي أنه كان يراها تصلح كزوجة نافعة تجلب اليسر والرخاء للرجل الذي يحظى بها، لأنها لو عملت في فندق آخر لحصلت على أضعاف ما تحصل عليه هنا. . . ولم لا؟ أليس لها هذا الشعر الذهبي الذي هو في نفسه كنز؟ أليس لها هذا الجسم الممشوق والقد المعتدل، والخطى الراقصة التي تلفت الأنظار وتكهرب القلوب؟! إذن لينافس فراري زميله ميشيل. . .