فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 19094 من 65521

الوليد فاصبر حتى تعود أدراجك من هذه الطريق فتقضي حق العين والفؤاد من هذه المشاهد.

بعد قليل جاءت من طرابلس عربة كعربة ديزل المعروفة في مصر، وتسمى في الشام باسمها الفرنسي (أوتومتريس) أخذت مكاني بها وانطلقت سريعة تطوي ما بين حمص وحلب، والطريق هنا أكثر ماء وشجرًا وزرعًا. وفي الطريق لاحت حماة في زينات من شجرها ومائها، ونغمات نواعيرها منثورة في السهل تدور بالماء والماء بها يدور لا تفتر نهارًا ولا ليلًا وتذكرت قول القائل:

ناعورة مذعورة ... للبين حيرى سائرة

الماء فوق كتفها ... وهي عليه دائرة

وتذكرت أني حين قرأت هذين البيتين في المدرسة ظننت الناعورة هي الساقية بلسان أهل مصر، ثم عرفت فرق ما بينهما حين ذهبت إلى الشام أول مرة. ومن رأى نواعير الفيوم فقد رأى صورة صغيرة من نواعير الشام الماثلة في الفضاء على نهر العاصي عالية رائعة.

وبلغنا حلب بعد الساعة الثامنة من المساء فقصدت إلى فندق البارون. اضطرني إليه، على نفرتي من هذه الأسماء الإفرنجية في البلاد العربية، أني أُنزلت به مرة، ولم أعرف من فنادق حلب غيره. وقضيت به بقية الليل. وأصبحت مبكرًا إلى القطار قطار الشرق السريع. لم أر في حلب شيئًا ولم ألاق بها صديقًا. وسأعود إلى حديث حلب وحمص في رجوعي إلى الشام إن شاء الله.

وجاء القطار الفخم قد كتب عليه بالفرنسية والتركية ذات الحروف اللاتينية: (قطار الشرق السريع) وما سألت أحد عمال القطار عن عربات النوم فقال لصاحب له بالتركية: (دلّه عليها) فقلت: هذا أول العُجمة وطلائع الغربة.

أخذت مكاني بالقطار موّطنًا النفس على السفر ستًا وثلاثين ساعة، ورفيقي فكري وخيالي وديوان البحتري. سار القطار والساعة سبع من الصباح، وكان شريكي في المقصورة إنكليزيًا ذاهبًا من العراق إلى بلده في إجازة قصيرة، ولكني وجدت عن ملازمته ميلًا ومندوحة في مقصورة أخرى خالية خلوت فيها بصاحبي البحتري. وسأحدث القارئ حديثه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت