استقبلنا منها الحصن، وهو الحصن كبير من الحجر الأبيض المسنون، علمت أن الأمير نواف بن النوري بن شعلان هو الذي بناه أيام تسلطه على تلك الديار، منذ خمسة وعشرين سنة، ولم أجد من أستزيده من خبره. . . والقريات اليوم إمارة، وهي مقر الأمير. ومما رأينا في الحكومة السعودية أنهم يسمون كل من يلي مدينة مهما صغرت أميرًا، لا فرق في ذلك بين أمير القريات، هذه. . . وبين أمير المدينة المنورة. . .
وكان الأمير يومئذ غائبًا في مكة يشهد الموسم، يقوم مقامه أبن أخ له، وهذه العادة فاشية في الحجاز، إذا غاب الأمير أناب عنه ولدًا له أو قريبًا، وكان نائب الأمير في قرية أخرى من القرى الست، فلم نلقه، ولكنا لم نعدم من يستقبلنا ويكرمنا، وغاية الإكرام (كما رأينا) أن ندخل القصر، وتوقد النار في زاوية البيت الذي جلسنا فيه، ويشعل فيها الغضا هذا الذي يضرب بحره المثل والذي ذكره الشعراء فأكثروا، وكنوا به عن نجد، تهوي الأفئدة منهم، وقد رأيته مرارًا فوجدته كثيرًا في البادية وهو كالمشمش غير أنه أجمل شكلًا وأدق ورقًا، وهو أشد شجر رأيناه في البادية اخضرارًا، أما جمره فكالفحم الحجري ولا مبالغة، وقد عرفه الشاعر حين زعم أنهم (شبوه بين جوانحه وضلوعه) ، أما نحن فعرفناه في هذا البيت حين أشعلوه وزادوا في إضرامه حتى بلغ لهيبه السقف، ثم قربونا منه وأجلسونا إلى جانبه، فلما (تقهوينا) ونلنا حظنا من الإكرام البالغ. . . سألونا سيارة تأتي بالأمير، ودعينا إلى دار أخلوها لنا، وكانت دار مفتش الحدود (عبد الرحمن بن زيد) وهي أكبر دار في القريات وأجملها إلا أنها خالية لاشيء فيها، ففرشنا ما كنا نحمل من بسط وفرش وإحرامات ولم أبتئس أنا بخلوها، فقد كان بساطي وإحرامي أحب إلىّ من كل ما يمكن أن يفرشوه فيها. ولما اطمأننا على أمتعتنا وعلى مكان مبيتنا خرجنا نجول في القرية فإذا هي بيوت من الطين قائمة على (شاطئ) الرملة يحف بها قليل وفيها حقول تزرع فيها بعض الخضر، وتسقي من عين جارية وفيرة تقوم بري قسم كبير من الأرض لو كان الأراضي هناك مال وكان هناك أيد مال وكان هناك أيد عاملة تسعى في الأراضي الزراعية وتحسين زراعتها. ويحيط بالبلدة وبساتينها ورملتها صخرة أهرامية هائلة رهيبة المنظر تمتد من حولها كأنها سور إلهي. . . وحياة هذه القرى من الملح الذي يستخرج من السباخ الكثيرة القريبة من البلد، ويصدر إلى حوران وشرقي الأردن