الذي ضللت أتوقع من حين إلى حين سقوطه وراء ظهره حتى رأيته يهوى ولكن ليرفعه أحد الجالسين في أقل من ارتداد الطرف، وقد تزاحم عليه نفر منهم بطمع كل واحد أن يحظى بشرف إزالة ما علق به من التراب بكم جلبابه
وجاء الندلُ مذ رأوه فأحنوا جباههم ورفعوا أيديهم يحيون (سعادة البك) في ابتسام واحتشام، ودارت أقداح الشاي والقهوة على الجالسين؛ وكان لا يني البك عن طلبها لكل قادم في لهجة كريمة حازمة
وشكا البك من غبار الطريق، وسأل محنقًا: ماذا يصنع المجلس القروي إذا؟ ووعد أن يتحدث في ذلك إلى المأمور فسيلقاه في المركز غدًا. . . وإذ جاء ذكر المأمور تقدم رجل في يده عريضة وهو يقول: (يا سعادة البك الله يخليك. . .) وقطع عليه سعادة البك كلامه متسائلًا: ألم تنته مسألته بعد؟ ثم تناول منه ورقته ودمسها في جيبه وصرفه طالبًا إليه أن يقابله عند باب المركز صباح الغد، وما لبثت العرائض أن تزاحمت على جيب البك. . . فهذا يرجوا أن يكون خفيرًا، وذلك يطمع أن يعين فراشًا، وفلان يرجو نقل أبنه إلى بلد قريب، وآخر يستعجله ما وعد في أمره، وهو يكرر لهم جميعًا وعوده مؤكدًا مستمهلًا إلى أمد قريب. . .
وتسلل أحد جلسائه إلى هؤلاء فتحدث إلى كل منهم على انفراد برهة، ثم عاد إلى حيث يجلس سيده وفي جيبه هو أيضًا ورق ولكن من نوع آخر!
ولاح ضابط الشرطة مقبلًا فأفسح الجالسون له مكانًا قبل وصوله، وأقبل فسلم على البك في اهتمام عظيم لا تفلته عبارة من عبارات الترحيب ولا يفوته شيء مما يحفظ من التحيات يشفعها جميعًا بألقاب التعظيم والتبجيل؛ وبدا لي أنه ضابط ذكي إذا كان يزيد في ترحابه وتحياته كلما رأى أثرها الطيب على قسمات البك، وقل في الضباط من لا يتقن هذا التهويل في مناسبة كهذه، فهو لا يكلفهم شيئًا، أما ما يعود عليهم منها فأقل ما يرجونه أن يكف عنهم أمثال صاحب السلطان هذا ألسنتهم عند أولى الأمر إن لم يجودوا عليهم بالثناء والإطراء بل وبالشفاعة والرجاء إذا اقتضى الحال شفاعة أو رجاء
وأرتاح البك إلى حضور الضابط فانطلق يتحدث عن مقابلاته التي ضاق بها ذرعًا، فحسبه أن قابل فلانًا وفلانًا من الوزراء في أسبوع أكثر من ثلاث مرات، أما مقابلاته للمدير فأكثر