-استريحي قليلًا. . . أرجو أن تمكثي معي هنيهة فإن لدي ما أقوله لك. . .
وكانت عواطفه ثائرة فدفعها برقة نحو الكرسي حتى جلست كارهة، ثم قال لها بصوت متهدج:
-فردوس! هذه فرصة سعيدة لأنفرد بك وأقول لك. . . وأعياه القول فسكت؛ ولكنه كان يشعر بأنه ينبغي أن يقول شيئًا وإلا لم يجد عذرًا ينتحله لإبقائها. فقال بصوته المضطرب:
-أنت جميلة في الثوب الأبيض. . . أعني أنك فيه أجمل منك في أي ثوب آخر. . . الواقع أنك جميلة دائمًا وفي أي ثوب كان. . .
فاشتد الارتباك بالفتاة وتضرج وجهها بالاحمرار فازدادت فتنة وازداد افتنانًا. فلم يملك أن قال لها:
-فردوس. . . أنا. . . أنا أحبك. . . وقد أبقيتك هنا لأقول لك إني. . . أريد أن أتزوج منك
لم تستطع الفتاة البقاء فقامت واقفة واتجهت نحو الباب ولكنه اعترض سبيلها مرة أخرى وقال لها:
-هل أنت غاضبة؟. . . صدقيني يا فردوس سأتزوج منك ونظر إلى وجهها بعين فاحصة فلم ير غضبًا ولكنه أحس ارتباكها وتعثرها بالخجل فأوسع لها، ولما حاذته هوى بفمه فقبل خدها، ولم تقل له شيئًا، وسارت حتى غيبها الباب، ودخل الشاب إلى حجرته، وجلس على حافة سريره كعادته؛ ثم دس يده تحت الحشية حتى عثرت بالحجاب، فوضعه على كفه يديم إليه النظر في سكون وتهيب، ولم يجسر على فك رباطه فأعاده إلى مكانه، وتفكر مليًا ثم قال وهو يبتسم: (من يستطيع أن يقول بعد اليوم أن السحر خرافة؟!)
أما فردوس فصعدت السلم مسرعة تقفز كل درجتين معًا، ولم تكن أمها في الشقة، فجرت إلى الغرفة يكاد يصرعها الفرح وجعلت تروح وتجيء وهي تقول باضطراب: (يا بركتك يا شيخة زهية. . . يا بركتك يا شيخة زهية. . .!)
نجيب محفوظ