فيا ليتني إذ لم أُجد حوك وشيه ... ولم أك من فرسانه كنت مفحما
وفي ديوان الصبابة: أن ابن دقيق العيد قال لابن سيد الناس: قل لعلماء المعاني والبيان والبديع: أتحسنون أن تقولوا مثل قول المتنبي:
أزورهم وسواد الليل يشفه لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي
فإن قالوا لك: لا. فقل إي فائدة فيما تصنعون. (يريد: أن العمل غير العلم)
فواضح أن الغرض من الجملة السابقة المنسوبة للخليل وابن المقفع: بيان أن الشعر لا يملك بالرواية ودراسة العلوم وجمع اللغة، وإلا لكان الأصمعي والمفضل وإضرابهما أشعر خلق الله! بل لما كان أحد أولى من الخليل بالشعر وهو واضع العروض نظام الشعر وسلك القافية! ونسبتها إلى الخليل أولى من نسبتها إلى ابن المقفع حتى تقوم الحجة على أن اللغة والنحو والصرف والعروض وسائر العلوم اللسانية وما يتصل بها - وهي من سمات الخليل البارزة - لا تجعل غير الشاعر شاعرًا. وأما ابن المقفع فكان أديبًا كاتبًا كما قال الأستاذ، لا راوية ولا عالمًا بالمعنى الاصطلاحي، فالتمثيل به في هذا السبيل لا يكون ظاهرًا ظهوره في الخليل، لأن الكتابة والشعر يفيضان من نبع واحد، والعلم شيء وراء ذلك
وإذا صح ورود هذه الكلمة عن ابن المقفع فلا يفهم منها أنه لا يحسن قول الشعر، فالحق أن له شعرًا جيدًا - وإن كان قليلًا - ومعروف أن مقطعات الكتاب أرق وأعذب من شعر الشعراء الخلص، ولكن المراد أن الشعر لا يواتيه كما يواتيه النثر، فقصر همه على ما هو أجدى عليه
2 -النحو في الكلام كالملح في الطعام
وردت هذه الحكمة بلفظها في كتب كثيرة، والغرض منها مشابهة النحو للملح في الإصلاح، وهو معنى ناصع لا غبار عليه، وقد تعالمه الناس وتلقوه بالتسليم والقبول خلفًا عن سلف، حتى لقد بلغ من ذيوعه أن العامة في الصعيد يسمون الملح: (المصلح) فلا داعي لأن ينكره الأديب الشرباصي أو يخطئه.
وأما الرواية الأخرى: الهزل في الكلام كالملح في الطعام فلا بأس بها، وورودها لا يفيد عدم ورود الأولى، ويكون وجّه الشبه هنا القلة لا التحسين والتلميح كما ذهب إليه الأستاذ