ثم تنحى عن الباب وهو يقول مزدردًا ريقه: تفضل بالدخول يا سيدي. . . فدخل البك وهو يتحدث قائلًا: إنه لا داعي للجلوس لأنه على عجل، وأنه جاء ليسأل عن صحته وعما إعتاقه عن متابعة دروسه. . . فاعتذر أنيس بأن موعد امتحانه اقترب وأنه في حاجة إلى كل دقيقة من وقته. . . ولكن البك لم يقتنع بحجته ورفض أن يقبل عذره، وطلب إليه برقة ألا يحرم توتو من دروسه. فعاود الشاب الاعتذار، وكر الرجل إلى الإلحاح، ثم أدنى رأسه من أنيس وقال له: لابد من حضورك. . . فهذا ضروري جدًا لتوتو. . . تعال حينما تشاء وكيفما تشاء. . . لابد من حضورك، فهذا ضروري جدًا. . . وكان لا يحول بصره عن الشاب، فوجد في نظرته ونبرات صوته ما أثار فضوله ودهشته. . . أما الشيخ، فصمت لحظة مترددًا، ثم استدرك قائلًا: (هذا ضروري لتوتو ولسعادتي ولسعادة الأسرة. . . بل لسعادتنا جميعًا. . . فأصغ لي، لابد من حضورك. . .)
واحتقن وجهه بالدم، وارتعشت شفته السفلى وذقنه كالطفل إذا أوشك أن يفحم في البكاء ثم تحول عنه. . . ومضى دون أن ينتظر موافقة الشاب، ولبث هذا في مكانه متفكرًا مذهولًا تتجاذبه شتى العواطف. . .
وكان الأسبوع الذي أعقب هذه الزيارة معترك أزمة نفسية عميقة أخذت بتلابيب أنيس، فتقاذفته الغرائز والشهوات، وتجاذبته نوازع اللذة ومغريات السلامة والطمأنينة، وكان ذا عزيمة قوية وسريرة طاهرة وقلب تقي، فآثر السلامة. فلما أن استدار الأسبوع أحس قواه تتماسك وتشتد، فأطرى إرادته وجعل يتناسى بين رضوان بك السيئ الحظ وزوجه الحسناء القلقة الغضوب ويودع ذاك العهد زاوية من زوايا الذكريات الغريبة المنسية. . .
وانتصف مايو، فقصد أنيس يومًا إلى الكلية ليسأل عن موعد ظهور نتيجة الامتحان. ولما بلغت به قدماه باب مقهى المثلث، شعر بإنسان يعترض سبيله بعصاه كالمداعب، فرفع رأسه إليه فرأى رضوان بك يغادر المقهى يسبقه أحد أصدقائه إلى سيارة تنتظر على كثب، فارتبك ورفع يده بالتحية، فالتقت يداهما، وابتسم البك ثم سأله عن حاله، وتحدث معه قليلًا دون أن يعرج إلى الذكريات القديمة. وحين هم بمفارقته غير لهجته وقال بصوت دل على الضراعة والمضض: (أيها الشاب. . . إياك والسخرية من الناس أو الهزء بالبؤساء، فأنت تجهل الدور الذي تعده لك الأقدار غدًا. واذكر أن أغرب تصرفات الإنسان لا تعوزها