واستطيلي فخرًا بأسمائهم، واستظلي مما عقدوه عليك بلواء من الأمن والطمأنينة والرضا، واسلكي سبل العلم، وفجاج البحث، ذللًا لا أشواك فيها، ولا عقاب تعترض من دونها!
سيري يا أختاه بجنان ثابت ونفس مطمئنة وصدر لم تفسده الوساوس، ولم تحوم حوله الشكوك، فقد وفتك الدولة حقك، وكفتك ما يهمك، وجعلتك في يمنى يديها حين جعلت غيرك في يسارها ومن وراء ظهرها!
معاذ الله - أيتها الأخت الناشئة - أن أتطاول إلى مثل مقامك، أو أمني النفس بمثل منزلتك، فإنما أنا معهد ثانوي صغير لا يزيد على هذه المدارس الكثيرة التي تعمل في خدمتك، والتي ستمدك كما مدت أمك الرءوم من قبل بالبنين والبنات؛ ولست قريبًا لك ولا ندًا لخطابك، ولكني أشاركك فقط في معنى واحد، به أكتب إليك وبه أجترئ عليك: أنا معهد الإسكندرية وأنت جامعة الإسكندرية، ولقد كنت مثلك يوم نشأت منذ ثلاثين عامًا: كنت معهدًا من المعاهد العليا عنيت به الدولة يومئذ كما تعني بك الآن، واحتفلت به الأمة كما تحتفل بك الآن، وأسندت إدارته إلى رجل عبقري حازم لم تزل آراؤه وإصلاحاته وهمته ونشاطه مسك الأحاديث وعطر المجالس، هو المغفور له الشيخ محمد شاكر، وقال الناس عني كلامًا كثيرًا، قالوا: هذا معهد الإسكندرية عاصمة مصر الثانية، هذا هو (أزهر) الدولة المحمدية العلوية سينافس أزهر الدولة الفاطمية، وقد حققت بي الأيام بعض هذا الظن، فكنت نموذجًا في أساتذتي، وكنت نموذجًا في طلابي، وكنت نموذجًا في دراساتي ونظامي، وخرجت رجالًا أئمة يكادون يستأثرون بالفضل في كل ناحية من نواحي الأزهر الحاضر: في العلم، في الخلق، في الإدارة، في الحزم، في الشجاعة، ولكن الزمان صدمني مرتين: فأما إحداهما فيوم بدا لرجال الأزهر أن يجعلوني معهدًا كمعاهد الأقاليم فأصبحت معهدًا ثانويًا كمعاهد طنطا وشبين وقنا، أعد أبنائي، وأجد في تعليمهم وتثقيفهم وتهذيبهم وتقويم أخلاقهم؛ حتى إذا سويتهم فتيان علم وعمل وخلق كريم دفعت بهم إلى الأزهر فغرقوا في لجته وضلوا في تيه. والأزهر كما ينبئ عنه التاريخ قوة خارقة غلابة تحيل الأشياء ولا تحيلها الأشياء: كم من رجال تأبوا عليه ثم خضعوا له من حيث لا يشعرون، وأرادوا له صيدًا فكانوا هم المصيدين! وكم من علوم لم تهضمه ولكنه هضمها، ورامت منه فأخضعها وأذلها! وكم من أخلاق فيه تبدلت وملكات ثابتة تأرجحت! فماذا عليهم لو يتركوني كما