المدرجات الجامعية، وأجريت فيها العقل على سجيته حرًا كما خلقه الله، نافذًا كما يجب أن يكون: يقول الشيخ ما يريد أن يقول، ويناقش الطالب ما يرى أن يناقش، وتجلى الغوامض على هينة، وتحل العقد في صبر وتؤدة، لا وقت يعجلهم، ولا شغل يشغلهم، ولا رقيب عليهم إلا من ضمائرهم! فأين منك اليوم هذا المجالس العلمية الجادة؟ لقد أبدلك الزمان منها فصولًا دراسية متفرقة على نظم مقلدة غر أولياءك ظاهرها الجميل فاكتفوا به، وتغافلوا عما وراءه، ولو فتشوا عن العلم في هذه الفصول المبعثرة لما وجدوا إلا ألفاظًا وكلمات تلاك ولا تستساغ، وأطرافًا من أوائل الكتب ومقدمات العلوم تمس مسًا ما رفيقًا في كل عام!
كأني أرى علماءك الأولين، وقد عكفوا على المكتبة العربية يدرسون نوادرها، ويقلبون صحفها، ويكشفون عن أسرارها، ويشتارون للناس جناها، ويعتصرون من ثمارها وثمارهم شرابًا صافيًا سائغًا للشاربين! فأين من هؤلاء علماؤك الحاضرون، وقد ذكروا أنفسهم ونسوك، واشتغلوا بشئونهم وتركوك؟ أليسوا إلى اليوم عالة على كتبك التي ألفها سلفهم الناشط، لولاها لضلوا في البحث والدرس سواء السبيل؟ بلى، وإن أحدهم على ذلك لو ألف كتابًا أو نشر بحثًا لتجدنه يملأ الدنيا صياحًا، وينفخ أوداجه كبرًا، ويحسب أنه أتى بما لم يأت به أحد من الأولين والآخرين!
ما أبعد الفرق - أيها المعهد العتيق - بين يومك وأمسك! لقد كان طلابك مُثلًا عُليا في الجد والإقبال علي العلم، ينقطعون إليك، ويؤثرونك على أوطانهم وأهليهم، ويرتشفون من مناهل علمك، ويغترفون من بحار فضلك، تدفعهم الرغبة المخلصة، وتغريهم اللذة العلمية، وكانوا مثلًا عليا في الخلق والاستقامة وحسن الطاعة، لا يشارون ولا يمارون، ولا يصيحون ولا يصخبون، ويخفضون رءوسهم لأساتذتهم متأدبين، ويستمعون إلى رؤسائهم طائعين، أما اليوم فقد جرأهم الأساتذة ولحظهم الرؤساء، وشغلتهم عن العلم المطالب والرغاب، وأصبحوا لا يعملون إلا لاجتياز عقبة الامتحان: يسألون في ورقات معدودات دورين من لم يفز في أولهما كان في الآخر من الفائزين!
أيها المعهد العتيق
لقد كان الشعب كله: أغنياؤه وفقراؤه، حكامه ومحكوموه، ريفه وحضره، ينظرون إليك