فرفعه ناتئًا يشك في الأجواء. بدا هيكله في منظر خشن فتلألأ هيكله لطيف الشكل، مصقول الجدران ترتاح العين لرؤيته وينعم فيه النظر بلا ملال. والأدب الجديد ليس وليد عصر معروف، فكل عصر يحفل بالقديم والجديد، كل عصر يبرز فيه هيكلان يختلفان شكلا ولونا وذوقا. كل عصر يدين بهذين المذهبين ويقوم فيه من يناصر القديم ويظاهر الجديد. وليس نصير القديم من وقف على الأطلال فبكى واستبكى، فأن بعضهم يقف على الأطلال ويجود بالشائق الرضي. أما انشد داود عمون:
هاج أشواقي إلى الدمن ... طائرٌ غنى على فنن
وداود عمون شاعر ثوى منذ سنوات قلائل في مقره الأخير وقد جاء شعره في الدمن من أرق الشعر، فلا هو بالخشن المبتذل ولا الجاف الغليظ، فالعذوبة وافرة فيه، والقوة محكمة في دباجته العالية. وليس كل من تحدث عن الإبل والنوق بنصير القديم. فالمنخل اليشكري لم يكن من أنصار القديم حين قال:
وأحبها وتحبني ... ويحب ناقتها بعيري
لا، فأن في هذا الشعر لظرفا، وان فيه لإمعانًا في التوكيد على نحو ما جاء في قول أبي نؤاس:
إلا فاسقني خمرًا وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرًا إذا أمكن الجهر
إن فيه لرونقًا، فهو بعيد عن التكلف في سبكه ومعناه. وكل شعر جامع للرونق خال من التكلف والغلو الفحاش يطمئن إليه كل جيل، ويرضى عنه الأدب الجديد. فما هو الأدب القديم إذًا؟. . . الأدب القديم هو الحافل بغريب الكلام ووحشي الألفاظ، المثقل بالتقليد، الراكد في معناه ومبناه، فلا ابتكار ولا روعة ولا سهولة ولا ذوق، هو المنسوج على منوال خشن، الضخم الكلمات، الطنان الأجوف القائم على صناعة الألفاظ، المحشو تكلفًا وتعقيدًا، البارد لفرط ما لاكته الألسن ومضغته الأفواه. الأدب القديم هو الأدب المطبوع بطابع عصر معلوم، جاءه من يبعثه حيًا في عصر لم يخلق له، فإذًا نحن رأينا في شعر أمريء القيس شيئًا جديدًا فهناك ما لا يصح قولًا في عصر غير عصر الشاعر الضليل، فقد قيل في زمن يجب إلا يتخطاه إلى زمن آخر، وقد تبدلت العادات وتبدل الناس، والجديد الجديد في شعر امرئ القيس تشابيهه واستعاراته. وهذه التشابيه والاستعارات ملك الشاعر لا